يُعد الثوم أحد أكثر المكونات الطبيعية شهرة في العالم، ليس فقط لكونه ركيزة أساسية في فنون الطهي العالمية، بل لامتلاكه تاريخاً طويلاً كعلاج شعبي ووقائي. ومع تطور الصناعات الغذائية، برز “الثوم الأسود” كبديل فاخر ومثير للجدل، محولاً البصلة البيضاء التقليدية ذات الرائحة النفاذة إلى فصوص سوداء هلامية ذات طعم حلو يشبه التمر أو “البلسميك”.
لكن بعيداً عن المذاق، يبقى السؤال الجوهري: ما هو الفرق الغذائي الحقيقي بين الثوم الأسود والثوم العادي؟ وكيف تؤثر عملية التحول هذه على المركبات الكيميائية والفوائد الصحية؟
1. رحلة التحول: كيف يصبح الثوم “أسود”؟
قبل المقارنة بين العناصر الغذائية، يجب أن نفهم أن الثوم الأسود ليس نوعاً مختلفاً من النباتات، بل هو ثوم عادي خضع لعملية معالجة حرارية معينة.
-
الثوم العادي: هو الثوم الطازج النيء الذي نعرفه جميعاً، والذي يتميز برائحة قوية ناتجة عن مركب “الأليسين”.
-
الثوم الأسود: يُصنع بوضع رؤوس الثوم العادية في بيئة محكومة الرطوبة (بين 80% إلى 90%) ودرجة حرارة ثابتة (بين 60 إلى 90 درجة مئوية) لفترة تتراوح من 15 إلى 90 يوماً.
خلال هذه الفترة، لا يحدث تخمر (Fermentation) كما يُشاع خطأً، بل يحدث تفاعل كيميائي يُعرف بـ “تفاعل مايارد” (Maillard Reaction). هذا التفاعل هو المسؤول عن تغيير اللون إلى الأسود القاتم، وتحويل السكريات والأحماض الأمينية إلى مركبات عطرية معقدة، وتغيير القوام ليصبح ليناً كالحلوى.
2. الفرق في المركبات النشطة حيوياً
هذا هو الميدان الحقيقي للمقارنة، حيث تتغير الهيكلية الكيميائية للثوم بشكل جذري أثناء التسخين الطويل.
أ. الأليسين مقابل S-allyl-cysteine (SAC)
-
في الثوم العادي: المادة الفعالة الرئيسية هي “الأليسين” (Allicin). هي المسؤولة عن الرائحة النفاذة والمضادات الحيوية الطبيعية. ومع ذلك، الأليسين مركب غير مستقر، يتكسر بسرعة عند الطهي.
-
في الثوم الأسود: أثناء عملية النضج، يتحول الأليسين غير المستقر إلى مركب مائي أكثر استقراراً وقوة يُسمى S-allyl-cysteine (SAC).
-
النتيجة: يحتوي الثوم الأسود على تركيزات من مركب SAC تصل إلى 5 أو 6 أضعاف ما هو موجود في الثوم العادي. هذا المركب يمتصه الجسم بسهولة أكبر ويساهم في تقليل الالتهابات وحماية الخلايا.
ب. مضادات الأكسدة
أثبتت الدراسات المختبرية أن عملية “تفاعل مايارد” ترفع بشكل هائل من سعة مضادات الأكسدة.
-
يحتوي الثوم الأسود على مستويات أعلى بكثير من البوليفينول والفلافونويد.
-
بالمقارنة، تتضاعف القدرة الكلية لمضادات الأكسدة في الثوم الأسود لتصل أحياناً إلى مرتين أو ثلاثة أضعاف قدرة الثوم العادي، مما يجعله أكثر كفاءة في محاربة “الجذور الحرة” التي تسبب الشيخوخة والأمراض المزمنة.
3. مقارنة العناصر الغذائية (القيم التقريبية) الفرق بين الثوم الأسود والثوم العادي
عند النظر إلى الماكرو (البروتين، الدهون، الكربوهيدرات)، نجد فروقاً ناتجة عن فقدان الماء وتركيز السكريات:







