عندما تدخل إلى غرفة فندق، أول ما يقع عليه بصرك هو ذلك السرير المرتب بعناية فائقة، والمغطى بملاءات بيضاء ناصعة. ولكن، تبرز دائماً قطعة قماشية ملونة أو مزخرفة تمتد بشكل عرضي عند نهاية السرير. هذه القطعة، التي قد يراها البعض مجرد زينة إضافية أو حتى قطعة قماش “مزعجة” يجب إزاحتها قبل النوم، تُعرف في عالم الفندقة باسم “وشاح السرير” (Bed Runner).
وراء هذه القطعة البسيطة فلسفة عميقة تجمع بين الحماية العملية، الجدوى الاقتصادية، واللمسة الجمالية التي تعكس هوية الفندق. في هذا المقال، سنغوص في تفاصيل هذه الظاهرة لنكشف لماذا تصر أرقى الفنادق العالمية على وجودها
1. الحماية من “ثقافة المسافر”: الأحذية والحقائب
السبب الجوهري والأكثر واقعية لوجود وشاح السرير هو حماية المفروشات البيضاء من سلوكيات النزلاء العفوية.
-
الاسترخاء السريع: بعد رحلة سفر طويلة ومرهقة، غالباً ما يكون أول فعل للنزيل هو إلقاء نفسه على السرير لأخذ قسط من الراحة قبل تبديل ملابسه. في كثير من الأحيان، يستلقي النزيل وحذاؤه لا يزال في قدمه. هنا يبرز دور الوشاح؛ فهو يوضع في المنطقة التي تلامسها الأحذية، مما يمنع انتقال الأتربة والأوساخ من أسفل الحذاء إلى اللحاف الأبيض النظيف.
-
تفريغ الحقائب: يميل الكثير من المسافرين إلى وضع حقائب السفر الخاصة بهم على طرف السرير لفتحها وتفريغ محتوياتها. الحقائب، التي جابت المطارات والشوارع، تحمل كميات هائلة من الجراثيم والأوساخ. الوشاح يعمل كحاجز وقائي يضمن عدم تلوث السرير، وفي الوقت نفسه يوفر مساحة متينة تتحمل احتكاك سحابات الحقائب وزواياها الحادة التي قد تمزق الأقمشة الرقيقة.
2. الجماليات وكسر رتابة الأبيض (The All-White Bed)
في التسعينيات، بدأت سلسلة فنادق “ويستن” (Westin) ثورة في عالم الضيافة بما عرف بـ “السرير السماوي” (Heavenly Bed)، حيث اعتمدت اللون الأبيض الكامل للمفروشات. هذا التوجه أصبح معياراً عالمياً لعدة أسباب:
-
إيحاء بالنظافة: اللون الأبيض لا يخفي العيوب، لذا فهو يمنح النزيل ثقة فورية بأن السرير نظيف وتم تعقيمه.
-
الشعور بالفخامة: يذكرنا الأبيض بغيوم السماء والنعومة الفائقة.
ومع ذلك، فإن الغرفة التي يطغى عليها الأبيض بالكامل قد تبدو باردة أو تشبه غرف المستشفيات. هنا يأتي دور وشاح السرير ليضيف “لمسة لونية” (Pop of Color). يتم اختيار ألوان الوشاح بعناية لتتناسب مع الستائر أو السجاد أو اللوحات الفنية في الغرفة، مما يخلق توازناً بصرياً ويجعل الغرفة تبدو أكثر دفئاً وحيوية.
3. الهوية البصرية والعلامة التجارية
الفنادق لا تبيع مجرد غرف للنوم، بل تبيع “تجربة”. وشاح السرير غالباً ما يكون مصنوعاً من أقمشة فاخرة مثل الحرير، المخمل، أو الصوف المنقوش. في الفنادق الكبرى، قد يتم تطريز شعار الفندق (Logo) على الوشاح، أو استخدام نقوش مستوحاة من ثقافة البلد المحلي (مثل النقوش الفرعونية في مصر أو الزخارف الأندلسية في المغرب). هذا التفصيل البسيط يرسخ العلامة التجارية في ذاكرة النزيل، خاصة عند التقاط صور للغرفة ومشاركتها على وسائل التواصل الاجتماعي.
اقرأ عن : شروط فيزا فرنسا وماهي المستندات الضروري توافرها معك ؟
4. الجانب الاقتصادي والبيئي
قد يظن البعض أن إضافة قطعة قماش إضافية تزيد من تكاليف الغسيل، لكن الواقع يقول العكس.
-
تقليل وتيرة غسل الألحفة: اللحاف الكبير (Duvet) ثقيل، مكلف في غسله، ويستغرق وقتاً طويلاً ليجف. بوجود وشاح السرير الذي يمتص معظم الأوساخ اليومية، يمكن للفندق غسل الوشاح الصغير بسهولة وبشكل متكرر، بينما يظل اللحاف نظيفاً لفترة أطول.
-
الاستدامة: تقليل عدد مرات غسل الألحفة الكبيرة يقلل من استهلاك المياه والكهرباء والمنظفات الكيميائية، وهو ما يتماشى مع توجه الفنادق الحديثة نحو الحفاظ على البيئة.
5. تعدد الاستخدامات: خدمة الغرف والجلوس
وشاح السرير ليس مجرد قطعة “للنظر فقط”، بل له استخدامات وظيفية أخرى:
-
طاولة مؤقتة: عند طلب خدمة الغرف (Room Service)، يفضل بعض النزلاء تناول وجبات خفيفة أو شرب القهوة وهم جالسون على السرير. يوضع الوشاح كقاعدة للصينية لمنع تسرب السوائل أو سقوط فتات الطعام على الملاءات الأساسية.
-
حاجز للملابس: إذا قرر النزيل الجلوس على السرير بملابسه الرسمية أو “الجينز” الذي ارتداه طوال اليوم في الخارج، فإن الجلوس على الوشاح يحمي السرير من الأتربة العالقة بالملابس.
اقرأ عن : شروط فيزا انجلترا وكافة التفاصيل والأوراق اللازمة
6. تطور المفهوم: من الوشاح إلى “غطاء القدم”
في السنوات الأخيرة، بدأت بعض الفنادق الحديثة تستبدل الوشاح التقليدي الضيق بقطعة قماش أكبر قليلاً تُطوى عند نهاية السرير، وتسمى أحياناً “بطانية الزينة” (Decorative Throw). هذا التطور جاء ليلبي رغبة النزلاء في الشعور بالمنزل؛ فالوشاح التقليدي قد يبدو رسمياً جداً، بينما “البطانية” تمنح شعوراً بالراحة ويمكن للنزيل استخدامها فعلياً للتدفئة أثناء القراءة دون الحاجة لفتح السرير بالكامل.
7. كيف يتعامل النزلاء مع وشاح السرير؟
هناك انقسام طريف بين المسافرين حول هذه القطعة:
-
المحافظون: وهم الذين يدركون قيمتها الوظيفية، فيتركونها في مكانها ويستخدمونها لوضع الحقائب أو الجلوس.
-
الباحثون عن الراحة: وهم الذين يزيلونها فور دخولهم الغرفة لأنهم يشعرون أنها تعيق حركة أقدامهم أثناء النوم.
-
المشككون: هناك فئة تخشى من نظافة هذه القطعة تحديداً، معتقدين أنها قد لا تُغسل مع كل نزيل مثل الملاءات البيضاء. (وهنا تنصح البروتوكولات الفندقية الحديثة بغسل الأوشحة بانتظام لضمان التعقيم الكامل)
الخاتمة
إن وشاح السرير ليس مجرد قطعة قماش عابرة، بل هو عنصر ذكي يجمع بين الفن والوظيفة. إنه يحمي الاستثمارات الفندقية (المفروشات)، يقلل التكاليف البيئية، ويمنح الغرفة طابعاً من الفخامة والترتيب. في المرة القادمة التي تدخل فيها إلى غرفتك الفندقية، انظر إلى ذلك الوشاح بتقدير أكبر، فهو الحارس الصامت الذي يضمن لك نوماً نظيفاً ومنعشاً بعيداً عن أتربة الرحلة وعناء السفر.







