يعتبر مرض السكري من النوع الثاني (وهو الأكثر شيوعاً) من الأمراض التي لا تظهر فجأة بين عشية وضحاها. غالباً ما يسبقه مرحلة صامتة وطويلة نسبياً تُعرف باسم “مرحلة ما قبل السكري” (Pre-diabetes). في هذه المرحلة، تكون مستويات السكر في الدم أعلى من المعدل الطبيعي، ولكنها لم تصل بعد إلى الحد الذي يُشخّص كمرض سكري كامل.
الخطورة في هذه المرحلة تكمن في أنها غالباً ما تكون “خفية”. الكثير من الناس يعيشون سنوات وهم في مرحلة ما قبل السكري دون أن يدركوا ذلك، مما يؤدي إلى تفاقم الحالة وتطورها إلى سكري من النوع الثاني، ومعه تبدأ المضاعفات الصحية طويلة الأمد.
تهدف هذه المقالة إلى تسليط الضوء على العلامات التحذيرية التي تشير إلى اقتراب الإصابة بمرض السكري، والأهم من ذلك، كيف يمكنك التمييز بين هذه العلامات وبين الأعراض العادية التي قد نشعر بها يومياً لأسباب أخرى.
العلامات والأعراض الرئيسية لاقتراب مرض السكري
عندما يبدأ الجسم في مواجهة صعوبة في استخدام الأنسولين بفعالية (مقاومة الأنسولين)، يتراكم الجلوكوز في مجرى الدم بدلاً من الدخول إلى الخلايا لإنتاج الطاقة. هذا الخلل يؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل الجسدية التي تظهر كأعراض:
1. الثالوث الكلاسيكي (العطش، التبول، الجوع)
-
العطش الشديد (Polydipsia): عندما يرتفع مستوى السكر في الدم، يحاول الجسم التخلص من الفائض عن طريق الكلى. لسحب السكر، تحتاج الكلى إلى كميات كبيرة من الماء من أنسجة الجسم، مما يسبب شعوراً دائماً بالعطش والجفاف.
-
كثرة التبول (Polyuria): نتيجة لشرب كميات كبيرة من الماء ومحاولة الكلى المستمرة لطرد السكر، يزداد عدد مرات الذهاب إلى الحمام، خاصة أثناء الليل.
-
الجوع المفرط (Polyphagia): على الرغم من وجود الكثير من السكر في الدم، إلا أنه لا يصل إلى الخلايا التي تحتاجه للطاقة بسبب مقاومة الأنسولين. هذا يرسل إشارات خاطئة للمخ بأن الجسم “جائع” ويحتاج إلى المزيد من الطعام، حتى بعد تناول وجبة دسمة.
2. التعب والإرهاق المزمن
بما أن الخلايا محرومة من “وقودها” الأساسي (الجلوكوز)، يشعر الشخص بتعب مستمر ونقص في الطاقة، حتى مع الحصول على قسط كافٍ من النوم.
3. زغللة العين (تشوش الرؤية)
ارتفاع مستويات السكر في الدم يمكن أن يسحب السوائل من عدسات العينين، مما يؤثر على قدرتها على التركيز ويسبب رؤية ضبابية مؤقتة.
4. بطء التئام الجروح
ارتفاع السكر في الدم يؤثر على تدفق الدم بشكل جيد ويتلف الأعصاب بمرور الوقت، مما يجعل من الصعب على الجسم إصلاح الجروح أو مقاومة الالتهابات الجلدية البسيطة.
5. وخز أو تنميل في الأطراف
قد يكون هذا علامة مبكرة على تلف الأعصاب الناتج عن ارتفاع السكر المستمر، ويظهر غالباً كشعور بالوخز، الحرقان، أو التنميل في اليدين والقدمين.
6. تغيرات جلدية (الشواك الأسود)
من أهم العلامات التي يغفلها الكثيرون هي ظهور بقع داكنة وسميكة ومخملية الملمس على الجلد، خاصة في مناطق الثنيات مثل الرقبة، الإبطين، والمرفقين. هذه الحالة تسمى “الشواك الأسود” وهي مؤشر قوي جداً على مقاومة الأنسولين.
النقطة الحاسمة: كيف تفرق بين الأعراض “العادية” وأعراض السكري؟
قد تقول لنفسك: “أنا أعطش أحياناً، وأتعب بعد يوم عمل شاق، فهل أنا مصاب؟”. هنا يكمن الفرق الجوهري. الأعراض العادية تكون مؤقتة ولها سبب واضح، بينما أعراض السكري تكون مزمنة، مستمرة، وغير متناسبة مع المسبب.
إليك جدولاً يوضح الفروقات الأساسية:
| العرض | الحالة العادية (طبيعية) | علامة تحذيرية (اقتراب السكري) |
| العطش | يحدث بعد تناول طعام مالح، ممارسة رياضة، أو في الجو الحار. يرتوي الشخص بعد شرب الماء. | عطش شديد لا يرتوي حتى بعد شرب كميات كبيرة من الماء. تشعر وكأن فمك “صحراء قاحلة” باستمرار. |
| التبول | يزداد عند شرب الكثير من السوائل أو مدرات البول (قهوة، شاي). نادراً ما يوقظك من النوم أكثر من مرة. | حاجة ملحة ومتكررة لدخول الحمام، حتى لو لم تشرب الكثير مؤخراً. الاستيقاظ عدة مرات كل ليلة للتبول هو علامة حمراء. |
| الجوع | شعور طبيعي قبل موعد الوجبة أو بعد مجهود بدني. يختفي بعد الأكل. | رغبة شديدة في الأكل، خاصة للسكريات والنشويات، حتى بعد وقت قصير من إنهاء وجبة كاملة. |
| التعب | نتيجة قلة النوم، الإجهاد البدني أو الذهني. يزول بعد الراحة والنوم الجيد. | تعب “عميق” ومزمن لا يزول بالراحة. تشعر بخمول وثقل دائم في الجسم دون سبب واضح. |
| تشوش الرؤية | يحدث بسبب إجهاد العين من الشاشات أو الحاجة لنظارة طبية. يكون ثابتاً نسبياً. | تشوش رؤية “يأتي ويذهب”. قد تلاحظ أن رؤيتك تختلف حدتها من يوم لآخر أو حتى خلال نفس اليوم. |
متى يجب عليك زيارة الطبيب؟
إذا لاحظت أنك تعاني من اثنين أو أكثر من الأعراض المذكورة في خانة “العلامات التحذيرية” بشكل مستمر لعدة أسابيع، فلا يجب تجاهل الأمر.
تزداد الحاجة للفحص إذا كان لديك عوامل خطر إضافية، مثل:
-
زيادة الوزن أو السمنة (خاصة تراكم الدهون في منطقة البطن).
-
تجاوز سن الـ 45.
- اقرأ ايضا عن : الأوليروبين تنهي معاناة السكري، الضغط، الكوليسترول، وتجدد الدورة الدموية!
-
وجود تاريخ عائلي لمرض السكري (أحد الوالدين أو الإخوة).
-
قلة النشاط البدني.
-
تاريخ إصابة بسكري الحمل لدى السيدات.
الخلاصة:
مرحلة ما قبل السكري هي بمثابة “جرس إنذار”. الخبر الجيد هو أن هذه المرحلة قابلة للعكس. من خلال تعديلات بسيطة في نمط الحياة (خسارة بسيطة في الوزن، ممارسة المشي يومياً، تقليل السكريات)، يمكنك منع أو تأخير تطور الحالة إلى مرض سكري دائم. الفحص المبكر هو خط الدفاع الأول لحماية صحتك.







