سخر زوجي من وزني وتركني لأجل امرأة رشيقة. وحين عاد ليأخذ أغراضه، أوقفته “ورقة حمراء” على الطاولة جعلته يتجمد في مكانه. وبمجرد أن قرأها، هرب الدم من وجهه.. لقد فعلت شيئاً لم يتوقعه أبداً.
عندما تخلى عني “أحمد” قبل شهرين، لم يحاول حتى تجميل كلماته أو تخفيف الصدمة. وقف في منتصف غرفة المعيشة، وحقيبة النادي الرياضي على كتفه، وقال ببرود قاتل: “نور، لقد أهملتِ نفسك تماماً. أنا أحتاج لامرأة تهتم بجسدها ورشاقتها.. و(رنا) تفعل ذلك”.
ثم هز كتفيه وغادر.. وكأنه ببساطة يغير نوع السلعة التي يشتريها من السوبر ماركت!
وقفت مكاني في صمت، وكلماته تعاد في عقلي مراراً وتكراراً. نعم، لقد زاد وزني. العمل استنزف طاقتي، وضغوط الحياة تراكمت، وفي غمرة انشغالي بكل شيء، نسيت أن أضع نفسي أولاً. لكن بدلاً من أن يسألني “هل أنتِ بخير؟” أو يظهر ذرة من الاهتمام، اختصر كياني كله في “شكل جسدي” ومشى مبتعداً نحو “الأرشق”.
الأيام التي تلت ذلك كانت ضبابية. لم أتحرك من الأريكة، بكيت حتى كاد رأسي ينفجر. والأسوأ من ذلك كله، أنني كرهت نفسي لأنني سمحت لقسوته أن تحدد قيمتي.
ثم في صباح أحد الأيام، لمحت انعكاس صورتي في مرآة الممر. كنت أبدو منهكة.. شعر غير مرتب، وعيون غائرة.. لكنني رأيت شيئاً آخر هناك أيضاً. ناراً هادئة تشتعل. لم يكن غضباً من “رنا”، ولا حتى من “أحمد”، بل كان غضباً من نفسي لأنني أعطيته كل هذه السلطة ليدمرني.
في ذلك اليوم، خرجت للمشي. مشيت لمسافة طويلة جداً.
وفي اليوم التالي، زدت المسافة.

بدأت أطبخ وجبات حقيقية وصحية. أشرب الماء. أنام جيداً. دونت أفكاري على الورق، وحجزت جلسات علاج نفسي. لم أكن أحاول أن أصبح نحيفة لأجله، بل كنت أحاول أن أصبح “كاملة” من جديد.. ببطء، وعلى شروطي الخاصة.
مرت الأسابيع. أصبح جسدي أقوى، لكن التغيير الحقيقي حدث في الداخل. عادت ثقتي بنفسي. وتلاشى صدى انتقادات “أحمد” المستمرة. ولأول مرة منذ سنوات، تذكرت من أكون دون أن أقلل من شأن نفسي لأجل شخص آخر.
ثم بالأمس، أرسل رسالة نصية: “سأمر غداً لأخذ بقية أغراضي”.
لا اعتذار. لا شعور بالذنب. كان يتوقع بوضوح أن يجد نفس المرأة المحطمة التي تركها خلفه.
هذا الصباح، عندما دخل الشقة، تجمد في مكانه. جالت عيناه في الغرفة وكأنه دخل منزلاً خاطئاً.
كنت أقف هناك بهدوء وثبات، أرتدي فستاناً أسود أنيقاً يظهر التغيير الذي طرأ عليّ.. ليس لإبهاره، بل كدليل قاطع على شهرين من احترام الذات.
ومع ذلك، لم يكن مظهري هو ما صدمه أكثر.
الصدمة الحقيقية كانت عندما لاحظ “الورقة الحمراء” المتروكة بانتظاره على طاولة الطعام.
بمجرد أن قرأها، شحب لونه وهرب الدم من وجهه تماماً…
الجزء الثاني: الوداع الأخير
ارتجفت يد “أحمد” وهو يلتقط الورقة الحمراء من على الطاولة. لم تكن رسالة عتاب طويلة، ولا قصيدة حزينة تستجدي عودته. كانت الورقة تحتوي على ثلاث كلمات فقط مكتوبة بخط عريض وواثق:
“شكراً.. لقد حررتني!”
وتحت هذه الكلمات، كان هناك ظرف رسمي مختوم.
رفع عينيه ببطء، ونظر إليّ بصدمة لم يستطع إخفاءها. كان وجهه شاحباً، وكأن الكلمات صفعت غروره صفعة مدوية. حاول أن يتكلم، لكن صوته خرج مبحوحاً، مهتزاً:
“نور.. ما هذا؟ ماذا تعنين بـ (حررتني)؟ وما هذا الظرف؟”
تقدمت نحوه بخطوات ثابتة، صوت كعبي العالي يتردد صداه في الصمت الذي يغلف الغرفة. وقفت أمامه، ونظرت مباشرة في عينيه اللتين طالما تفاديت النظر فيهما خجلاً من نفسي في الماضي.
قلت بهدوء مرعب: “افتح الظرف يا أحمد”.
بأصابع مرتجفة، مزق الظرف. سقطت منه تابع المزيد من القصص على موقع ثقف نفسك أوراق رسمية. التقطها وقرأ العنوان الرئيسي. اتسعت عيناه في ذعر. كانت أوراق الخلع .. ، ومعها تنازل قانوني كامل عن حقي في “الشركة” التي أسسناها معاً بمالي الخاص قبل سنوات، مقابل أن أحتفظ أنا بالشقة وكل ما فيها، وأن يخرج هو من حياتي بلا رجعة.
صرخ محاولاً استجماع قواه: “خلع ؟ و طلاق؟ بهذه السرعة؟ نور، أنتِ لا تفهمين! أنا لم أكن أنوي أن ينتهي الأمر هكذا. كنت فقط أحتاج وقتاً.. (رنا) كانت مجرد نزوة، لقد اكتشفت أنها فارغة، لا تشبهك. انظري لنفسك الآن! لقد عدتِ كما كنتِ يوم تزوجنا.. بل أجمل! يمكننا أن نبدأ من جديد”.
رمى حقيبته على الأرض واقترب مني محاولاً الإمساك بيدي، لكنني تراجعت خطوة للوراء برقي، وكأنه غريب لا يحق له اللمس.
ابتسمت، لكنها لم تكن ابتسامة حب، بل ابتسامة شفقة.
قلت له بصوت رخيم وثابت: “أنت لم تفهم الدرس يا أحمد. أنت تظن أنني تغيرت لأستعيدك؟ تظن أنني خسرت وزني واهتممت بنفسي لأنافس امرأة أخرى على قلبك؟”
ضحكت بخفة، ضحكة كسرت آخر ذرة أمل لديه، وأكملت:
“أنا لم أفقد الوزن لأجلك. أنا فقدت الوزن لأنني تخلصت من (الحمل الثقيل) الحقيقي في حياتي.. وهو أنت. لسنوات، كان إهمالك وانتقادك هما السبب في توتري، وفي لجوئي للطعام كهروب. كنت أنت المرض، وكان وزني الزائد مجرد عرض جانبي”.
تسمر في مكانه، والعرق يتصبب من جبينه. حاول المقاطعة: “لكنني أحبك! أنا زوجك! انظري إلينا، هذا بيتنا!”
قاطعته بحزم: “هذا بيتي أنا. أنت غادرته باختيارك بحثاً عن (جسد) يعجبك. وها أنت تعود الآن لأنك رأيت (جسداً) يعجبك. مشكلتك يا أحمد أنك لا ترى البشر، أنت ترى أغلفة فقط. وأنا.. أنا لم أعد غلافاً لأحد”.
أشرت بيدي نحو الباب المفتوح، ونحو حقيبته الملقاة على الأرض.
“وقعت لك على التنازل عن نصيبي في الشركة الخاسرة التي كنت تتمسك بها، مقابل حريتي وراحة بالي في هذا البيت. الصفقة تمت. والآن، خذ بقية أغراضك وارحل.. تابع المزيد من القصص على موقع ثقف نفسك رنا بانتظارك، أو ربما غيرها، لكن أنا.. أنا انتهيت”.
وقف أحمد للحظات، ينظر حوله وكأنه يودع الجنة التي طرد نفسه منها بغبائه. نظر إلى الورقة الحمراء مرة أخرى، ثم إليّ. رأى امرأة لا يعرفها.. امرأة قوية، جميلة، ومستقلة، لم يعد يملك مفاتيح قلبها ولا عقلها.
حمل حقيبته ببطء، وانحنى رأسه ذلاً وانكساراً لم أره فيه من قبل. سار نحو الباب بخطوات ثقيلة، وقبل أن يخرج، التفت وقال بصوت خافت: “أنا نادم يا نور”.
أجبته وأنا أغلق الباب في وجهه بهدوء: “الندم لا يعيد الموتى للحياة يا أحمد.. وقد مات حبك داخلي منذ اللحظة التي عايرتني فيها بضعفي”.
أغلقت الباب. وسمعت صوت خطواته تبتعد.
استندت بظهري على الباب، وأخذت نفساً عميقاً. لم أبكِ. لم أشعر بالحزن.
نظرت إلى المرآة المعلقة في الممر، وغمزت لنفسي.
لقد رحل الماضي.. واليوم، تبدأ حياتي الحقيقية.
– النهاية –







