“جسمي كان مهدود من السخونية ومش قادرة أقف على رجلي .. بس لما جوزي اتخانق معايا  عشان مافيش غدا، قررت مش هسكت تاني.. واللي حصل بعد كده غير حياتنا للأبد”

“جسمي كان مهدود من السخونية ومش قادرة أقف على رجلي .. بس لما جوزي اتخانق معايا  عشان مافيش غدا، قررت مش هسكت تاني.. واللي حصل بعد كده غير حياتنا للأبد”

data-path-to-node="2">مرمية على السرير والحرارة بتهد الحيل

بشفايف بتترعش من البرد والسخونية، طلبت من “أحمد” جوزي إنه ينزل يجيب لي حاجة من الصيدلية. اصل كنت نايمة تحت البطانية، وجسمي بيغلي حرفياً، حرارتي كانت قربت تدخل على الأربعين. كل مفصل في جسمي بيصرخ من الوجع، وكل نفس باخده  بالعفيا وكأن في جبل على صدري. حتى عيني كنت بفتحها بالعفاية. المشكلة إن مفيش أي دوا في البيت، وبشفايف بتترعش من البرد والسخونية، طلبت من “أحمد” جوزي إنه ينزل يجيب لي حاجة من الصيدلية.

رد عليا بنتر ومن غير حتى ما يبص في وشي: “ما تنزلي إنتي هاتي لنفسك.. دي شوية سخونية وتعب بسيط وهتبقي زي الفل، بلاش دلع”.

ديرت وشي للحيطة، وكمدت راسي بفوطة باردة وأنا دموعي محبوسة. طاقتي كلها خلصت، مكنتش قادرة أقعد أصلاً عشان أقدر أمشي. كل اللي كنت بعمله إني بدعي ربنا الحرارة دي تنزل.

الطلب اللي كسرني

فجأة، باب الأوضة اتفتح بعنف، ودخل “أحمد” زي الإعصار. نبرة صوته كانت حادة ومش طايق نفسه.

“إيه ده؟ إنتي معملتيش غدا النهاردة؟”

رديت عليه بصوت طالع بالعافية وشبه همس: “لأ.. أنا مش قادرة حتى أقوم من السرير.. عندي حمى شديدة والله”.

راح مكتف إيديه وعينيه ضاقت بشر وقال: “يعني إيه؟ مش فارق معاكي إني راجع شقيان طول اليوم وجعان؟ يعني عايزاني أموت من الجوع؟”

حاولت أجمع أخر نقطة قوة باقية فيا وقولتله: حصري على موقع ثقف نفسك “طيب لو نزلت جبت لي دوا، هحاول أسند طولي وأقوم أعملك أي حاجة تاكلها..”

بس هو قاطعني، وصوته علي وبقى زعيق: “بقولك أنا تعبان! إنتي الست هنا.. المفروض الأكل يكون جاهز ومستنيني! شوفي منظر البيت يضرب يقلب إزاي. أمي عمرها ما اشتكت ولا فتحت بقها بكلمة حتى وهي عيانة. نسوان اليومين دول.. بسكويت ومفرهدين”.

كلام زي السم..

كل كلمة قالها كانت بتنزل عليا زي السكاكين، بتوجع أكتر من السخونية وتكسير الجسم. صدري انطبق عليا، مش بس من العيا، لأ.. من كتر القهرة والكسرة والذل. الراجل اللي المفروض يكون سندي وضهري، وحلف يراعي ربنا فيا، واقف فوق راسي بيحسسني إني تقيلة عليه وإني مجرد عبء. كلامه فضل يرن في ودني لحد ما حسيت إني خلاص.. مش قادرة أتحمل أكتر من كده.

اللحظة اللي فُقت فيها

فجأة، وتر الصبر اتقطع. سنين من الاستحمال وكتمان الوجع والتنازلات خلصوا في لحظة. قاومت الدوخة وسندت طولي وقفت قصاده، وشي كان مخطوف وشعري عرقان، بس لأول مرة من سنين.. صوتي مكنش بيتهز.

بصيت في عينيه وقولتله بقوة: “أنا ممكن أكون عيانة وجسمي واجعني، بس أنا مش ضعيفة! وإياك تفتكر إن قيمتي عندك تتقاس بطبق أكل ولا بيت مترتب. أنا مراتك.. شريكة حياتك.. مش الخدامة اللي شاريها بفلوسك. ولو مش قادر تكون جنبي وتسندني وأنا مريضة ومحتاجاك، يبقى صدقني.. أنت ماتستاهلنيش وأنا بصحتي”.

نقطة التحول

الصمت اللي ساد المكان بعدها كان مرعب. “أحمد” اتسمر مكانه، مكنش مصدق إن الست اللي واقفة قدامه دي هي مراته اللي طول عمرها بتسمع وتسكت. وكأنها حد غريب عنه.

الليلة دي، أنا مدخلتش المطبخ، ولا عملت عشا، ولا حتى اعتذرت. اخترت نفسي.. اخترت كرامتي وصحتي. ولأول مرة فهمت درس عمري ما هنساه: الصبر له حدود، والحب اللي مفهوش احترام.. مش حب.. ده سجن.

ما بعد العاصفة

فضل واقف مصدوم، بيفتح بقه ويقفله ومش عارف ينطق حرف. زعيقه وصوته العالي مبقاش ليهم أي تأثير عليا خلاص. لأول مرة يشوفني بجد.. مش الست المستكينة حصري على موقع ثقف نفسك اللي بتستحمل أي حاجة، لأ.. شاف الست اللي جابت آخرها ورسمت الخط الأحمر.

ماستنتش منه رد ولا أسف. لفيت وشي الناحية التانية وقولتله بهدوء مخيف: “لو مش قادر تحترمني وتقدرني، يبقى وحدتي أشرف لي مليون مرة من العيشة دي”.

بعد لحظات تقيلة، سمعت صوت باب الشقة بيترزع.. نزل وساب البيت من غير ولا كلمة.

لأول مرة من سنين، أنام مرتاحة وبالي رايق رغم التعب والسخونية. لإن كنت حاسة إن في حمل جبل انزاح من على قلبي.. أخيراً دافعت عن نفسي.

تاني يوم الصبح، صحيت جسمي لسه مهدود، بس روحي كانت خفيفة وحرة. صاحبتي الأنتيم جت جري أول ما عرفت، جايبة معاها أكل ودوا، وحضنتني حضن دافي ملاني حنية افتقدتها بقالي كتير. وقتها بس أدركت إن الأهل مش بس اللي عايشين معاك تحت سقف واحد.. الأهل هما اللي بيشيلوك وقت شدتك ويظهروا في وقت اللزوم.

ومن اليوم ده، قطعت وعد على نفسي: عمري ما هسمح لحد يكسرني ولا يخليني أسكت تاني، ولا هسمح لحد يخلط بين الحب والتحكم.

ساعات المرض مش بس بيحرق الجسم بالسخونية.. ده بيحرق الغشاوة والأوهام اللي على عينينا، ومبيسيبش غير الحقيقة الوحيدة الواضحة: إن الحب من غير احترام.. مالوش أي لازمة ولا يستحق إنه يتسمى حب.

اترك ردّاً