“أبي… أرجوك لا تخبرها أنني تحدثت إليك.” — عدت من رحلة طيران ليلية، وهمس ابني في منتصف الليل غيّر مصير عائلتنا للأبد.

“أبي … أرجوك لا تخبرها أنني تحدثت إليك واخبرتك بهذا الأمر “عدت من رحلة طيران ليلية، وهمس ابني في منتصف الليل بكلمات غيّرت مصير عائلتنا للأبد.

لم تكن أول كلمة نطقها “يوسف” هي اسمي. بل كانت تحذيراً. “أبي… أرجوك لا تخبرها أنني تحدثت إليك.”

اخترق صوته الظلام كخيط رفيع يوشك أن ينقطع… صوت خائف، حذر، وحزين. لم يكن صوت طفل يستيقظ فزعاً من كابوس، بل كان صوت طفل تعلم الصمت من أجل البقاء.

كنت قد وصلت للتو إلى المنزل بعد رحلة طيران ليلية شاقة. معطفي لا يزال عليّ. حقيبتي مستقرة بجوار الباب. لم أكن قد أضأت حتى نور الردهة.

ومع ذلك، كان ابني ذو الست سنوات يقف عند أعلى الدرج، حافي القدمين، ويداه الصغيرتان تتشبثان بالدرابزين بقوة وكأنه قد ينزلق إلى الخلف لو أفلت قبضته.

همست له: “يا بطل؟ لا بأس، أنا هنا. لقد عدت إلى البيت”.

هز رأسه قليلاً وقال: “قالت إنني لو أخبرتك أبداً… فإنك ستغادر مرة أخرى. وسيكون ذلك بسببي”. تلك الجملة—ستغادر مرة أخرى—وقعت عليّ كالصاعقة، أقسى من أي شيء آخر كان يمكن أن ينطق به.

صعدت الدرج ببطء، مجبراً ملامح وجهي على الهدوء بينما كان شيء ما بداخلي يتحطم.

قلت له بحزم: “لن أذهب إلى أي مكان. ليس الليلة. ولن يحدث أبداً”.

تردد للحظة، ثم خطا نحوي. وعندما جثوت على ركبتي، مال نحوي وأسند جبهته على كتفي. همس بصوت يملؤه الألم: “صدري يؤلمني… حصري على موقع ثقف نفسك وأحياناً لا أستطيع التنفس. هي تقول إن ذلك لأنني أبالغ وأختلق الدراما”. تجمدت ذراعيّ وهما تحاولان احتضانه.

سألته: “متى تشعر بهذا الألم؟”

أجاب: “في الليل. أو عندما أبكي. أو عندما أرتكب خطأً ما”.

تراجعت قليلاً لأنظر في وجهه. كانت عيناه محاطتين بهالات سوداء. لم يكن ذلك أثر إرهاق… بل كان خوفاً خالصاً.

سألته: “هل يحدث هذا كثيراً؟”

أومأ برأسه وقال: “هي تقول إنني أجعلها متعبة… وعندما تتعب هي، تحدث أشياء سيئة”.


شعرت بقلبي يبدأ في الخفقان بجنون.

كانت زوجتي، “ليلى”، أخصائية معتمدة في تعديل سلوك الأطفال. كانت تحظى باحترام كبير، هادئة الطباع، ونبرة صوتها ناعمة. كانت من ذلك النوع من النساء الذي يثق فيه الآباء الآخرون بشكل غريزي.

النوع الذي لا يمكن لأحد أن يشك فيه أبداً.

حملت “يوسف” إلى غرفته. وبينما كنت أغطيه في سريره، انتفض فجأة عندما قمت بتسوية الغطاء بالقرب من صدره.

سألته بلطف: “ماذا يوجد هناك؟”.

قام هو بإزاحة القماش جانباً بنفسه.

كانت هناك علامات باهتة… كدمات صغيرة، مستديرة، تميل للاصفرار أسفل عظمة الترقوة مباشرة. كانت منتظمة جداً. ومتعمدة جداً.

قال بهدوء: “هي تضغط هنا… تقول إن ذلك يساعدني على الهدوء”.

فجأة، شعرت أن الغرفة تضيق بي وتكاد تخنقني.

سألت: “منذ متى يحدث هذا؟”.

فكر للحظة ثم أجاب: “منذ أن بدأتَ تسافر أكثر”.

شعرت بغصة مؤلمة في حلقي.

لم أواجه “ليلى” في تلك الليلة.

بدلاً من ذلك، بقيت مستيقظاً في غرفة الضيوف، أستمع وأترقب.

في الساعة 2:17 صباحاً، سمعت صوت خطوات.

دخلت “ليلى” غرفة “يوسف”. لم يغلق الباب بالكامل.

سمعت صوتها ينساب بنعومة مخيفة: “تنفس… ببطء. أنت لا تريد أن يظن بابا أن هناك خطباً ما بك، أليس كذلك؟”

وقفت فوراً.

وخرجت إلى الردهة تماماً في اللحظة التي أنّ فيها “يوسف” بصوت مكتوم.

همس قائلاً: “توقفي”.

التفتت “ليلى”.

ولأول مرة منذ سنوات، رأيت قناع الهدوء يتصدع على وجهها… لم أرَ خوفاً، بل رأيت انزعاجاً بارداً.

قالت بهدوء: “لقد استيقظت مبكراً”.

رددت عليها بحزم: “ارفعي يديكِ عن ابني”.

تنهدت بملل وقالت: “أنت تسيء الفهم”.

قلت: “لا… بل بدأت أخيراً أفهم”.

اتهمت “يوسف” بالمبالغة، وبالحساسية المفرطة، وبأنه “يتلاعب بالقصص” لجذب الانتباه.

لم أنطق بكلمة أخرى.

في صباح اليوم التالي، أخذت “يوسف” إلى طوارئ الأطفال.

تغيرت تعبيرات الطبيبة في دقائق وهي تفحصه.

قالت بجدية: “هذه العلامات تتطابق مع أساليب تقييد جسدي غير سليمة. ضغط متعمد… هذه ليست إصابات عرضية”.

توقفت للحظة ثم سألت: “هل تستخدم زوجتك تدخلات علاجية في المنزل؟”.

أومأت برأسي.

لم تتردد الطبيبة وقالت: “سأبلغ حماية الطفل فوراً”.

وصلت “ليلى” إلى المستشفى وهي تستشيط غضباً.

فحت بصوت منخفض وهي تقترب مني: “أنت تدمر عائلتنا… هل تدرك ما سيفعله هذا بمسيرتي المهنية؟”

قابل المختصون “يوسف” بمفرده.

وعندما سألوه لماذا لم يخبر أحداً في وقت سابق، قال شيئاً جعل الصمت المطبق يخيم على الغرفة:

“قالت لي إنني محظوظ… لأن الأطفال الآخرين يتعرضون للضرب، أما أنا فلا”.

كشفت التحقيقات عن المزيد من الأسرار.

كانت “ليلى” قد خضعت لتأديب في عملها قبل سنوات—بشكل سري—بسبب تجاوز الحدود المهنية مع مرضى صغار. تم إغلاق الشكاوى ودفنها تحت شهاداتها وسحر شخصيتها المهنية.

تلك كانت الصدمة الحقيقية.

لم تكن جريمة وليدة اللحظة… بل نمطاً سلوكياً مخفياً ببراعة شيطانية.

مُنحت لي الحضانة الطارئة في ذلك الأسبوع. ومُنعت “ليلى” من أي تواصل غير خاضع للرقابة حتى موعد المحاكمة.

بعد أشهر، لم يعد “يوسف” ينتفض حصري على موقع ثقف نفسك عند اللمس. استقر تنفسه، وتلاشت الكدمات من جسده وروحه.

في إحدى الليالي، بينما كنت أغطيه للنوم، سألني بصوت خافت: “أبي… أنت لم تغادر بسببي، صحيح؟”

قبلت جبينه وقلت: “لا يا حبيبي… أنا بقيت هنا بسببك”.

ابتسم، وأخيراً استطاع أن ينام دون خوف.

وحينها أدركت حقيقة مرعبة وصادقة:

الأذى الأخطر ليس دائماً صاخباً وواضحاً.

أحياناً يهمس في الظلام… حتى يقرر شخص ما أخيراً أن يستمع.

اترك ردّاً