في كثير من الأحيان، نتعامل مع السعال والبلغم كإزعاج عابر، نحاول التخلص منه بأسرع وقت ممكن باستخدام الأدوية المهدئة، دون أن نتوقف لحظة لنسأل أنفسنا: لماذا يحدث هذا؟ الحقيقة هي أن البلغم لا يظهر بالصدفة؛
هذا المخاط اللزج ليس عدواً، بل هو “بطل” يحاول حمايتك، ولكن عندما يتغير لونه أو تزيد كميته، فإنه يتحول إلى دليل جنائي يكشف عن الجاني الحقيقي وراء مرضك. في هذه المقالة، سنغوص في أعماق هذا الموضوع لنفهم الأسباب الخفية وراء ظهور البلغم، وماذا تعني ألوانه المختلفة، وكيفية التعامل معه بذكاء.
أولاً: ما هو البلغم؟ ولماذا ينتجه الجسم؟
قبل أن نتحدث عن الأسباب المرضية، يجب أن نعرف أن وجود المخاط هو أمر طبيعي وحيوي. تبطن الأغشية المخاطية الفم، والأنف، والجيوب الأنفية، والحلق، والرئتين، والجهاز الهضمي. هذا المخاط يعمل كـ:
-
مرطب: يمنع الأنسجة الحساسة من الجفاف.
-
مصيدة: يلتقط الغبار، والبكتيريا، والفيروسات، والمواد المسببة للحساسية قبل أن تتغلغل في الجسم.
-
درع حماية: يحتوي على أجسام مضادة وإنزيمات تقتل الجراثيم.
نحن نبتلع معظم هذا المخاط يومياً دون أن نشعر. ولكن، عندما يواجه الجسم “تهديداً” (التهاب، تلوث، فيروس)، يبدأ في إنتاج المخاط بكميات أكبر وبكثافة أعلى لمحاصرة الدخيل. هنا يتحول المخاط إلى ما نسميه “البلغم”، ونشعر بالحاجة إلى طرده عبر السعال. إذن، البلغم هو رد فعل مناعي وليس مرضاً بحد ذاته.
ثانياً: شفرة الألوان.. ماذا يخبرك لون البلغم عن صحتك؟
عندما نقول “البلغم لا يظهر بالصدفة”، فإننا نعني أيضاً أن لونه ليس عشوائياً. كل لون يحمل دلالة طبية محددة تشير إلى نوع المشكلة:
1. البلغم الصافي (الشفاف)
هو النوع الأكثر شيوعاً وعادة ما يكون في بداية المرض.
-
السبب: يحاول الجسم طرد الفيروسات أو مسببات الحساسية.
-
الدلالة: قد يكون بداية لنزلة برد، أو حساسية موسمية (حمى القش). إذا كان مصحوباً بسيلان أنف وعطس، فالأرجح أنها حساسية.
2. البلغم الأبيض
يشير إلى أن الأنف أو الشعب الهوائية تعاني من احتقان وتورم، مما يبطئ حركة المخاط، فيفقد رطوبته ويصبح أكثر سماكة ولونه أبيض.
-
السبب: التهاب الشعب الهوائية الفيروسي، أو ارتجاع المريء (GERD)، أو فشل القلب الاحتقاني (في حالات نادرة وخطيرة).
3. البلغم الأصفر أو الأخضر
هذا اللون هو الدليل الكلاسيكي على وجود “معركة” داخل جسمك. اللون ليس ناتجا عن البكتيريا نفسها، بل عن خلايا الدم البيضاء (العدلات) التي تهرع لمكان العدوى لمحاربة الجراثيم. عندما تموت هذه الخلايا بعد المعركة، تطلق صبغة خضراء.
-
السبب: عادة ما يشير إلى عدوى، سواء فيروسية قوية أو بكتيرية، مثل التهاب الجيوب الأنفية، الالتهاب الرئوي، أو التهاب الشعب الهوائية المزمن.
-
ملاحظة: اللون الأخضر لا يعني بالضرورة أنك تحتاج لمضاد حيوي فوراً، فالفيروسات قد تسبب هذا اللون أيضاً.
4. البلغم البني أو الأسود
غالباً ما يرتبط هذا اللون باستنشاق مواد غريبة.
-
السبب: التدخين (القطران المتراكم)، استنشاق هواء ملوث جداً أو غبار الفحم، وأحياناً يكون دماً قديماً تأكسد وتحول للبني. في حالات نادرة جداً، قد يشير لعدوى فطرية خطيرة.
5. البلغم الأحمر أو الوردي (الدموي)
هذا هو اللون الذي لا يجب تجاهله أبداً.
-
السبب: قد يكون مجرد تهيج شديد من كثرة السعال أدى لتمزق شعيرات دموية دقيقة، ولكنه قد يشير أيضاً لأمراض خطيرة مثل السل، الانسداد الرئوي، سرطان الرئة، أو فشل القلب (حيث يكون البلغم وردياً ورغوياً).
ثالثاً: الأسباب الخفية وراء استمرار البلغم
إذا استمر البلغم لفترة طويلة، فالأمر يتجاوز نزلة البرد العابرة. إليك الأسباب الجذرية التي تجعل البلغم ضيفاً ثقيلاً:
1. التدخين (العدو الأول)
التدخين يشل “الأهداب” الدقيقة المبطنة للشعب الهوائية، وهي المسؤولة عن كنس المخاط وطرده للخارج. عندما تتوقف هذه الأهداب عن العمل، يتراكم البلغم في الرئتين، مما يجبر المدخن على السعال المستمر لطرده (سعال المدخنين).
2. الارتجاع المعدي المريئي (GERD)
قد تستغرب، ولكن المعدة قد تكون سبب البلغم في حلقك! عندما يرتد حمض المعدة إلى المريء والحلق، فإنه يسبب تهيجاً شديداً، فيقوم الحلق بإنتاج المخاط كطبقة حماية ضد الحمض الحارق. يُعرف هذا بـ “البلغم الصباحي” غالباً.







