صرفت “تحويشة عمري” عشان خطيبي يبقى دكتور.. وفي حفلة تخرجه، سابني قدام الناس كلها!

ستقرأ في هذا المقال

صرفت “تحويشة عمري” عشان خطيبي يبقى دكتور.. وفي حفلة تخرجه، سابني قدام الناس كلها! لو
عايزين تعرفوا “تمن الحب” الحقيقي، أنا أقدر أقولكم الرقم بالظبط: ٥٣٤ ألف جنيه وكسور.

ده المبلغ اللي أنا دفعته في تعليم “حازم” طول الأربع سنين اللي فاتوا إيجار سكنه لما مصاريف أهله كانت بتقصر معاه ، كتب ومراجع أغلى من دهبي اللي بعته، مصاريف أكله وشربه لما كان بيبقى “مضغوط ومكتئب” ومش عارف يركز في المذاكرة. حتى البدلة الشيك اللي هو لابسها في يوم تخرجه واللي متفصلة عليه بالمللي نص تمنها مدفوع من “التبس” اللي كنت بجمعه من وقفتي وتعبي في المطعم.
أنا اسمي “مي”. وأنا “الهبلة” اللي صدقت إن الحب والتضحية هما المهر الحقيقي لمستقبل سعيد. كنت واقفة برا القاعة العاملين فيها حفلة تخرجه، كنت فرحانه جدا وكأن السباق خلص وخلاص هنبقي لبعض . الليلة دي المفروض تكون ليلة الحصاد. الليلة، حازم هيعترف قدام الكل بكل اللي بنيناه سوا. ويمكن.. يمكن الليلة يحدد ميعاد الفرح رسمي قدام الناس.
يا ريتني كنت أعرف اللي هيحصل. حازم في اليوم دة كان شكله يخطف، بيضحك مع دكاترة الجامعة الكبار وبيسلم على زمايله بثقة. شعره متسرح ع الموضة، وسنانه بتلمع زي اللولي و الــ أنا كنت دافعة في تمن تبييضها برضه.
كان بيبان للناس كأنه مولود وفي بوقه معلقة دهب، مع إني عارفة البير وغطاه. أنا اللي شفت أيام “الإندومي”، وإخطارات الطرد من الشقة، والرعب اللي كان فيه لما شال مادة التشريح في سنة أولى وكان فاكر إن حلمه ضاع.

هو عدى من كل ده بسببي أنا.

“مي!” صوته رن لما لمحني من بعيد. ابتسم وشاورلي أقرب.
مشيت وسط الزحمة، بحاول أتجاهل نظرات الشفقة والهمس من ناس عمري ما قابلتهم بس لسبب انهم عارفين “خطيبة حازم اللي بتصرف عليه”.
واحدة ست قربت مني وطبطبت على دراعي وقالت: “أكيد فخورة بيه جداً”.
فخورة؟ ماشي. خلينا نسمي إن واحدة تبيع شبابها عشان تبني حلم واحد تاني “فخر”.
حازم وقف جنبي أول ما وصلتله. وللحظة، وأنا جنبه والناس كلها بتبارك، قلت لنفسي: “الموضوع كان يستاهل. هو ده اللي تعبنا عشانه”.
وفجأة، واحنا حتى لسه في القاعة وانا بفرح معاه وعشانه عينه لفت على الناس كلها.. وبعدين استقرت عليا.
بدأ كلامه معايا : “شكراً ليكي انك جيتي الحفله . كلية الطب كانت أصعب حاجة مرت عليا. ومكنتش هقدر أعمل ده من غير دعم وتضحية الناس اللي حواليا”.
ريقي نشف. أهو.. هيشكرني دلوقتي.
عينه جت في عيني تاني وقال ببرود: ” مي.. كنتي جزء من رحلتي. تعبتي جداً، وأنا مُقدر كل اللي عملته”.
مُقدر!!!
قالها كأني عملتله كوباية شاي، مش رهنت عمري كله عشانه.
بس حازم مخلصش كلامه.
نبرة صوته اتغيرت وبقت أحد وأقسى: “لكن.. وأنا ببدأ الفصل الجديد من حياتي 

“يا مي، إنتي وقفتي جنبي وأنا طالب، وهفضل شايل ده ليكي. بس الحقيقة.. كطبيب، أنا محتاج شريكة تناسب وضعي الاجتماعي والمهني الجديد. حد يفهم متطلبات الكارير بتاعي.. حد من مستوايا”.

الكلام نزل عليا زي الخناجر.

قالها في وشي قدام الناس.. إن واحدة “كاشير” في مطعم متنفعش تدخل العالم اللي هو داخله دلوقتي.

وقال عايز أعلن إني ببدأ فترة النيابة بتاعتي كراجل أعزب.. جاهز أبني الحياة اللي تليق بوضعي الجديد كطبيب”.

للحظة، الزمن وقف. الإهانة كانت بتحرقني زي النار، بتكويني في صدري. أربع سنين. أربع سنين من عمري رماهم في الزبالة زي كارت شحن خلص رصيده.

امه جت من بعيد وشكلها كانت عارفة هو هيعمل ايه ويقول ايه .. لمحت أمه بتداري ابتسامة ورا المنديل. وأبوه كان باين عليه إنه عارف الكلام ده من بدري. كلهم كانوا عارفين.. إلا أنا.

بس بدل ما أنهار، وبدل ما أعيط قدام زمايله وأكسر نفسي، مديت إيدي واديته الهديه الـ في ايدي .

و صوتي طلع ثابت وعالي في القاعة: “دي هدية نجاحك يا دكتور حازم.. ويارب إنك تاخد بالظبط اللي تستاهله”.

الصمت كان قاتل.


الجزء الثاني: الانهيار وسر الورق

قدرت أمسك نفسي لمدة تلات شوارع بالظبط قبل ما الأدرينالين يخلص.

هو اليوم دة كان البرد  فيه بيلسع وشي، دخلت في ممر جانبي بين عماير وسط البلد، سندت ضهري على الحيطة ووقعت في الأرض.

العياط طلع مني زي البركان، موجات ورا بعضها لدرجة إني مكنتش عارفة أتنفس.

أربع سنين. أربع سنين شقا في المطاعم، رجلي وارمة وإيدي مشققة من الغسيل والتنضيف. أربع سنين عايشة على الكفاف في شقة إيجار قديم سقفها بينقط مية، عشان البيه يعيش عيشة “ولاد الذوات” ويكمل تعليمه.

وفي الآخر ينهيها كأنه.. كأنه بيعمل “إلغاء متابعة” لصفحة على الفيسبوك.

لا قعد معايا في البيت وواجهني، ولا احترمني. ده استخدمني كـ “ديكور” في حفلة إعلان حياته الجديدة.. شكرني على “خدماتي” كأني الشغالة بتاعته مش شريكة حياته وخطيبته.

حضنت نفسي وأنا قاعدة ع الرصيف، لحد ما موبايلي زن في الشنطة.

رسالة من رقم غريب.

“أنا شفت اللي حصل. أنا آسفة جداً يا مي. ممكن نتقابل بكرة؟ في حاجات لازم تعرفيها.”

دي “ريم”. بنت عمته. البنت الهادية اللي كانت دايماً تقعد ع الطرف في العزومات وتتفرج في صمت.

مسحت دموعي. صوتي كان رايح، بس عزمي كان حديد. همست لنفسي: “بكرة”.

بس الأول، لازم أروح بيتي.

لما وصلت شقتي، الإحساس بالإهانة اتحول لحاجة تانية خالص.

غضب.. غضب أعمى.

ومع الغضب، الذاكرة اشتغلت بوضوح.

من ست شهور، حازم كان غرقان في مذاكرة الامتحانات النهائية. رمى في وشي كومة ورق على ترابيزة السفرة وقال لي:

“مي، إنتي خطك أحسن وبتفهمي في الورق الحكومي. املي الاستمارات دي بدالي، أنا لازم أركز في المذاكرة”.

وأنا عملت كدة فعلاً.

مليت كل حاجة.. استمارات ترخيص مزاولة المهنة، طلبات النيابة، الإقرارات المالية. كنت حرفياً السكرتيرة الخاصة بتاعته.

بس افتكرت حاجة غريبة. كان فيه تضارب في شهادات تخرجه من الكلية القديمة قبل ما يدخل طب. تاريخ التخرج مكنش مطابق للتاريخ اللي مكتوب في طلب الالتحاق بكلية الطب.

أنا لاحظت الغلطة دي وقتها، وكتبت ملاحظة عشان أصلحها. بس حازم كان مستعجل وعصبي: “قدمي الورق وخلاص يا مي متوجعيش دماغي!”.

وفي وسط دوشة الشغل والورديات، قدمت الورق زي ما هو.

فتحت أدراج مكتبي القديم، بقلب في الورق لحد ما لقيت “الدوسيه الأصفر” اللي كنت محتفظة فيه بنسخ من كل حاجة.. (عقدة الفقر بتخليكي تحتفظي بأي ورقة).

أهو. شهادة تخرجه الجامعية الأولى بتقول مايو ٢٠١٧. طلب الالتحاق بالطب اللي قدمناه بيقول ديسمبر ٢٠١٦.

غلطة صغيرة. تافهة.. إلا لو حد “مهم” دقق فيها.

بس دلوقتي؟

دلوقتي التفصيلة دي بقت قنبلة موقوتة.

وأنا الوحيدة اللي معايا فتيل التفجير.

تاني يوم الصبح، قابلت “ريم” في كافيه في وسط البلد. كانت قاعدة مستنية ومتوترة.

وقفت بسرعة أول ما شافتني: “مي.. أنا مش عارفة أقولك إيه على مهزلة امبارح. كنت عايزة أتكلم، بس..”

قاطعتها وأنا بقعد: “بس خفتي.. مش مهم”.

بصت في الأرض: “أيوة، جبن مني. كان لازم أحذرك”.

بصيت لها بجمود: “تحذريني من إيه بالظبط؟”

ريم وطت صوتها: “حازم بيخطط لده بقاله شهور. قال لماما إنه محتاج (يلمع صورته) قبل ما يبدأ النيابة. قال بالحرف إنه مش هينفع يكمل مع واحدة.. زيك”.

كلمة “واحدة زيك” وجعتني أكتر من القلم على وشي.

سألتها: “وكلكم كنتوا عارفين؟”

“كنا عارفين إنه هيسيبك.. بس مكناش نعرف إنه هيعملها فضيحة قدام الناس”. سكتت شوية وكملت: “و.. فيه واحدة تانية. هو بيكلم دكتورة (بسنت)، بنت الجراح الكبير. خريجة الجامعة الأمريكية، ومن عيلة.. يعني..”

“من توبه، مش كدة؟” كملت بدالها. دمي كان بيغلي.

يعني وأنا بطبق ورديات وبلملاليم عشان أجيب له الكتب، هو كان بيدور على “العروسة اللقطة” اللي تشرفه قدام المجتمع.

ريم مسكت إيدي: “مي، أنا مش شايفة إنه فاهم هو خسر إيه. أنا بس كنت عايزاكي تعرفي الحقيقة”.

سحبت إيدي وابتسمت ابتسامة باردة: “شكراً يا ريم. إنتي ساعدتيني أفهم حاجة مهمة”.

“إيه هي؟”

“إن حازم.. هياخد بالظبط اللي يستاهله”.

رجعت الشقة، وفرشت الورق على الترابيزة زي قطع البازل.

اتصلت برقم “شؤون التراخيص” في النقابة العامة للأطباء.

“ألو، إدارة التراخيص والقيد؟”

حاولت أخلي صوتي طبيعي: “أيوة، أنا مي.. كنت بساعد الدكتور حازم عزت في تحضير أوراق القيد، ولاحظت تضارب في تواريخ الشهادات اللي اتقدمت. شهادة التخرج الأصلية وتاريخ الالتحاق مش متطابقين، وحبيت أبلغكم قبل ما يحصل مشكلة قانونية”.

صوت الموظفة بقى حاد: “شكراً ليكي يا فندم. معاكي إثبات للكلام ده؟”

“معايا نسخ من كل الورق”.

“حضرتك لازم تشرفينا النهاردة عشان تكتبي إقرار رسمي. التلاعب في أوراق القيد وتواريخ التخرج ده موضوع كبير جداً عندنا”.

“كبير لدرجة إيه؟”

“لو غلطة غير مقصودة بيبقى فيها غرامة وتأخير.. لكن لو فيه شبهة تزوير أو تضليل متعمد.. فيها وقف ترخيص، وممكن شطب”.

ممتاز.

قفلت معاها، واتصلت بإدارة المستشفى الاستثماري اللي هو رايحها.

“مساء الخير، مكتب شؤون الأطباء؟ كنت عايزة أبلغ عن مشكلة في ترخيص طبيب مقيم جديد عندكم، دكتور حازم عزت. فيه تحقيق جاري في النقابة بخصوص أوراقه”.

الموظفة سكتت لحظة: “دي حاجة خطيرة جداً. شكراً للتبليغ”.

“العفو.. قلت لازم تعرفوا عشان ده ممكن يأثر على استلامه للشغل”.

على الضهر، كان عندي ١٧ مكالمة فائتة من حازم.

وعلى الساعة اتنين، كنت قاعدة تحت نور النيون في مكتب النقابة، بسلم “الدوسيه الأصفر”.

ولأول مرة من أربع سنين، حسيت إني أنا اللي سايقة.

حازم كان عايز يبني مستقبله على كتافي؟

ماشي.

بس أنا هتأكد إن الأساس يتهد فوق دماغه الأول.


الجزء الثالث: التوسل والباب المقفول

لما رجعت البيت، حطيت موبايلي مقلوب على الرخامة وبدأت أشغل الغسالة. صوت الغسالة وهي بتلف كان مريح للأعصاب، كأنها بتغسل أربع سنين من قرف وتعب حد تاني من حياتي.

عشر دقايق والباب خبط.. لا، ده كان بيرزع كأن اللي وراه عليه ديون.

“مي! افتحي.. أبوس إيدك افتحي”.

أخدت وقتي خالص. نقلت الهدوم للنشافة. شطفت مج القهوة. وبعدين فتحت الباب.

حازم كان شكله يصعب ع الكافر. البدلة السواريه مكسرة، شعره اللي كان متسرح بالمللي بقى منكوش، ووشه مخطوف ولونه أصفر زي اللمونة.

أول ما شافني نطق بصوت مبحوح: “وقفوا ترخيصي.. قالوا قيد التحقيق”. بلع ريقه بصعوبة وكمل: “وإدارة المستشفى لغوا استلامي للشغل.. قالوا مينفعش يشغلوا دكتور موقوف.. مي، إنتي قولتي لهم إيه؟”

سندت كتفي على الباب ببرود: “قولت لهم الحقيقة اللي قولتهالك امبارح. مش كنت عايز تغير (المستوى)؟ أهو ده مستوى (الملاحق)”.

زق الباب ودخل الشقة غصب عني، زي عوايده زمان. “إنتي اتجننتي؟ دي غلطة إدارية.. غلطة بسيطة وتتصلح. إنتي اللي مليتي الاستمارات، روحي قوليلهم إنها غلطتك إنتي”.

قفلت الباب ورايا وبصيت له: “يعني خطتك العبقرية إن (الكاشير) اللي إنت لسه سايبها وفاضحها في الميكروفون، تروح تشيل هي تهمة تزوير عشان تحمي مستقبلك المهني؟ بجح بصراحة”.

صوته علي: “ده مش تزوير! دي غلطة غير مقصودة.. إنتي كتبتي (ديسمبر) بدل (مايو) عشان كنتي مطحونة في شغلانتين ومرهقة و..”

قاطعته: “وأنت كنت البيه اللي بيقدم لكلية الطب.. غريبة إن الإرهاق كان من نصيبي والشهادات واللقب من نصيبك”.

مسح وشه بإيده بقلة حيلة: “أرجوكي.. أنا بترجاكي. اتصلي بيهم. قوليلهم إنك إنتي اللي غلطتي”.

اترك ردّاً