صرفت “تحويشة عمري” عشان خطيبي يبقى دكتور.. وفي حفلة تخرجه، سابني قدام الناس كلها!

ستقرأ في هذا المقال

صرفت “تحويشة عمري” عشان خطيبي يبقى دكتور.. وفي حفلة تخرجه، سابني قدام الناس كلها! لو
عايزين تعرفوا “تمن الحب” الحقيقي، أنا أقدر أقولكم الرقم بالظبط: ٥٣٤ ألف جنيه وكسور.

ده المبلغ اللي أنا دفعته في تعليم “حازم” طول الأربع سنين اللي فاتوا إيجار سكنه لما مصاريف أهله كانت بتقصر معاه ، كتب ومراجع أغلى من دهبي اللي بعته، مصاريف أكله وشربه لما كان بيبقى “مضغوط ومكتئب” ومش عارف يركز في المذاكرة. حتى البدلة الشيك اللي هو لابسها في يوم تخرجه واللي متفصلة عليه بالمللي نص تمنها مدفوع من “التبس” اللي كنت بجمعه من وقفتي وتعبي في المطعم.
أنا اسمي “مي”. وأنا “الهبلة” اللي صدقت إن الحب والتضحية هما المهر الحقيقي لمستقبل سعيد. كنت واقفة برا القاعة العاملين فيها حفلة تخرجه، كنت فرحانه جدا وكأن السباق خلص وخلاص هنبقي لبعض . الليلة دي المفروض تكون ليلة الحصاد. الليلة، حازم هيعترف قدام الكل بكل اللي بنيناه سوا. ويمكن.. يمكن الليلة يحدد ميعاد الفرح رسمي قدام الناس.
يا ريتني كنت أعرف اللي هيحصل. حازم في اليوم دة كان شكله يخطف، بيضحك مع دكاترة الجامعة الكبار وبيسلم على زمايله بثقة. شعره متسرح ع الموضة، وسنانه بتلمع زي اللولي و الــ أنا كنت دافعة في تمن تبييضها برضه.
كان بيبان للناس كأنه مولود وفي بوقه معلقة دهب، مع إني عارفة البير وغطاه. أنا اللي شفت أيام “الإندومي”، وإخطارات الطرد من الشقة، والرعب اللي كان فيه لما شال مادة التشريح في سنة أولى وكان فاكر إن حلمه ضاع.

هو عدى من كل ده بسببي أنا.

“مي!” صوته رن لما لمحني من بعيد. ابتسم وشاورلي أقرب.
مشيت وسط الزحمة، بحاول أتجاهل نظرات الشفقة والهمس من ناس عمري ما قابلتهم بس لسبب انهم عارفين “خطيبة حازم اللي بتصرف عليه”.
واحدة ست قربت مني وطبطبت على دراعي وقالت: “أكيد فخورة بيه جداً”.
فخورة؟ ماشي. خلينا نسمي إن واحدة تبيع شبابها عشان تبني حلم واحد تاني “فخر”.
حازم وقف جنبي أول ما وصلتله. وللحظة، وأنا جنبه والناس كلها بتبارك، قلت لنفسي: “الموضوع كان يستاهل. هو ده اللي تعبنا عشانه”.
وفجأة، واحنا حتى لسه في القاعة وانا بفرح معاه وعشانه عينه لفت على الناس كلها.. وبعدين استقرت عليا.
بدأ كلامه معايا : “شكراً ليكي انك جيتي الحفله . كلية الطب كانت أصعب حاجة مرت عليا. ومكنتش هقدر أعمل ده من غير دعم وتضحية الناس اللي حواليا”.
ريقي نشف. أهو.. هيشكرني دلوقتي.
عينه جت في عيني تاني وقال ببرود: ” مي.. كنتي جزء من رحلتي. تعبتي جداً، وأنا مُقدر كل اللي عملته”.
مُقدر!!!
قالها كأني عملتله كوباية شاي، مش رهنت عمري كله عشانه.
بس حازم مخلصش كلامه.
نبرة صوته اتغيرت وبقت أحد وأقسى: “لكن.. وأنا ببدأ الفصل الجديد من حياتي 

“يا مي، إنتي وقفتي جنبي وأنا طالب، وهفضل شايل ده ليكي. بس الحقيقة.. كطبيب، أنا محتاج شريكة تناسب وضعي الاجتماعي والمهني الجديد. حد يفهم متطلبات الكارير بتاعي.. حد من مستوايا”.

الكلام نزل عليا زي الخناجر.

قالها في وشي قدام الناس.. إن واحدة “كاشير” في مطعم متنفعش تدخل العالم اللي هو داخله دلوقتي.

وقال عايز أعلن إني ببدأ فترة النيابة بتاعتي كراجل أعزب.. جاهز أبني الحياة اللي تليق بوضعي الجديد كطبيب”.

للحظة، الزمن وقف. الإهانة كانت بتحرقني زي النار، بتكويني في صدري. أربع سنين. أربع سنين من عمري رماهم في الزبالة زي كارت شحن خلص رصيده.

امه جت من بعيد وشكلها كانت عارفة هو هيعمل ايه ويقول ايه .. لمحت أمه بتداري ابتسامة ورا المنديل. وأبوه كان باين عليه إنه عارف الكلام ده من بدري. كلهم كانوا عارفين.. إلا أنا.

بس بدل ما أنهار، وبدل ما أعيط قدام زمايله وأكسر نفسي، مديت إيدي واديته الهديه الـ في ايدي .

و صوتي طلع ثابت وعالي في القاعة: “دي هدية نجاحك يا دكتور حازم.. ويارب إنك تاخد بالظبط اللي تستاهله”.

الصمت كان قاتل.


الجزء الثاني: الانهيار وسر الورق

قدرت أمسك نفسي لمدة تلات شوارع بالظبط قبل ما الأدرينالين يخلص.

هو اليوم دة كان البرد  فيه بيلسع وشي، دخلت في ممر جانبي بين عماير وسط البلد، سندت ضهري على الحيطة ووقعت في الأرض.

العياط طلع مني زي البركان، موجات ورا بعضها لدرجة إني مكنتش عارفة أتنفس.

أربع سنين. أربع سنين شقا في المطاعم، رجلي وارمة وإيدي مشققة من الغسيل والتنضيف. أربع سنين عايشة على الكفاف في شقة إيجار قديم سقفها بينقط مية، عشان البيه يعيش عيشة “ولاد الذوات” ويكمل تعليمه.

وفي الآخر ينهيها كأنه.. كأنه بيعمل “إلغاء متابعة” لصفحة على الفيسبوك.

لا قعد معايا في البيت وواجهني، ولا احترمني. ده استخدمني كـ “ديكور” في حفلة إعلان حياته الجديدة.. شكرني على “خدماتي” كأني الشغالة بتاعته مش شريكة حياته وخطيبته.

حضنت نفسي وأنا قاعدة ع الرصيف، لحد ما موبايلي زن في الشنطة.

رسالة من رقم غريب.

“أنا شفت اللي حصل. أنا آسفة جداً يا مي. ممكن نتقابل بكرة؟ في حاجات لازم تعرفيها.”

دي “ريم”. بنت عمته. البنت الهادية اللي كانت دايماً تقعد ع الطرف في العزومات وتتفرج في صمت.

مسحت دموعي. صوتي كان رايح، بس عزمي كان حديد. همست لنفسي: “بكرة”.

بس الأول، لازم أروح بيتي.

لما وصلت شقتي، الإحساس بالإهانة اتحول لحاجة تانية خالص.

غضب.. غضب أعمى.

ومع الغضب، الذاكرة اشتغلت بوضوح.

من ست شهور، حازم كان غرقان في مذاكرة الامتحانات النهائية. رمى في وشي كومة ورق على ترابيزة السفرة وقال لي:

“مي، إنتي خطك أحسن وبتفهمي في الورق الحكومي. املي الاستمارات دي بدالي، أنا لازم أركز في المذاكرة”.

وأنا عملت كدة فعلاً.

مليت كل حاجة.. استمارات ترخيص مزاولة المهنة، طلبات النيابة، الإقرارات المالية. كنت حرفياً السكرتيرة الخاصة بتاعته.

بس افتكرت حاجة غريبة. كان فيه تضارب في شهادات تخرجه من الكلية القديمة قبل ما يدخل طب. تاريخ التخرج مكنش مطابق للتاريخ اللي مكتوب في طلب الالتحاق بكلية الطب.

أنا لاحظت الغلطة دي وقتها، وكتبت ملاحظة عشان أصلحها. بس حازم كان مستعجل وعصبي: “قدمي الورق وخلاص يا مي متوجعيش دماغي!”.

وفي وسط دوشة الشغل والورديات، قدمت الورق زي ما هو.

فتحت أدراج مكتبي القديم، بقلب في الورق لحد ما لقيت “الدوسيه الأصفر” اللي كنت محتفظة فيه بنسخ من كل حاجة.. (عقدة الفقر بتخليكي تحتفظي بأي ورقة).

أهو. شهادة تخرجه الجامعية الأولى بتقول مايو ٢٠١٧. طلب الالتحاق بالطب اللي قدمناه بيقول ديسمبر ٢٠١٦.

غلطة صغيرة. تافهة.. إلا لو حد “مهم” دقق فيها.

بس دلوقتي؟

دلوقتي التفصيلة دي بقت قنبلة موقوتة.

وأنا الوحيدة اللي معايا فتيل التفجير.

تاني يوم الصبح، قابلت “ريم” في كافيه في وسط البلد. كانت قاعدة مستنية ومتوترة.

وقفت بسرعة أول ما شافتني: “مي.. أنا مش عارفة أقولك إيه على مهزلة امبارح. كنت عايزة أتكلم، بس..”

قاطعتها وأنا بقعد: “بس خفتي.. مش مهم”.

بصت في الأرض: “أيوة، جبن مني. كان لازم أحذرك”.

بصيت لها بجمود: “تحذريني من إيه بالظبط؟”

ريم وطت صوتها: “حازم بيخطط لده بقاله شهور. قال لماما إنه محتاج (يلمع صورته) قبل ما يبدأ النيابة. قال بالحرف إنه مش هينفع يكمل مع واحدة.. زيك”.

كلمة “واحدة زيك” وجعتني أكتر من القلم على وشي.

سألتها: “وكلكم كنتوا عارفين؟”

“كنا عارفين إنه هيسيبك.. بس مكناش نعرف إنه هيعملها فضيحة قدام الناس”. سكتت شوية وكملت: “و.. فيه واحدة تانية. هو بيكلم دكتورة (بسنت)، بنت الجراح الكبير. خريجة الجامعة الأمريكية، ومن عيلة.. يعني..”

“من توبه، مش كدة؟” كملت بدالها. دمي كان بيغلي.

يعني وأنا بطبق ورديات وبلملاليم عشان أجيب له الكتب، هو كان بيدور على “العروسة اللقطة” اللي تشرفه قدام المجتمع.

ريم مسكت إيدي: “مي، أنا مش شايفة إنه فاهم هو خسر إيه. أنا بس كنت عايزاكي تعرفي الحقيقة”.

سحبت إيدي وابتسمت ابتسامة باردة: “شكراً يا ريم. إنتي ساعدتيني أفهم حاجة مهمة”.

“إيه هي؟”

“إن حازم.. هياخد بالظبط اللي يستاهله”.

رجعت الشقة، وفرشت الورق على الترابيزة زي قطع البازل.

اتصلت برقم “شؤون التراخيص” في النقابة العامة للأطباء.

“ألو، إدارة التراخيص والقيد؟”

حاولت أخلي صوتي طبيعي: “أيوة، أنا مي.. كنت بساعد الدكتور حازم عزت في تحضير أوراق القيد، ولاحظت تضارب في تواريخ الشهادات اللي اتقدمت. شهادة التخرج الأصلية وتاريخ الالتحاق مش متطابقين، وحبيت أبلغكم قبل ما يحصل مشكلة قانونية”.

صوت الموظفة بقى حاد: “شكراً ليكي يا فندم. معاكي إثبات للكلام ده؟”

“معايا نسخ من كل الورق”.

“حضرتك لازم تشرفينا النهاردة عشان تكتبي إقرار رسمي. التلاعب في أوراق القيد وتواريخ التخرج ده موضوع كبير جداً عندنا”.

“كبير لدرجة إيه؟”

“لو غلطة غير مقصودة بيبقى فيها غرامة وتأخير.. لكن لو فيه شبهة تزوير أو تضليل متعمد.. فيها وقف ترخيص، وممكن شطب”.

ممتاز.

قفلت معاها، واتصلت بإدارة المستشفى الاستثماري اللي هو رايحها.

“مساء الخير، مكتب شؤون الأطباء؟ كنت عايزة أبلغ عن مشكلة في ترخيص طبيب مقيم جديد عندكم، دكتور حازم عزت. فيه تحقيق جاري في النقابة بخصوص أوراقه”.

الموظفة سكتت لحظة: “دي حاجة خطيرة جداً. شكراً للتبليغ”.

“العفو.. قلت لازم تعرفوا عشان ده ممكن يأثر على استلامه للشغل”.

على الضهر، كان عندي ١٧ مكالمة فائتة من حازم.

وعلى الساعة اتنين، كنت قاعدة تحت نور النيون في مكتب النقابة، بسلم “الدوسيه الأصفر”.

ولأول مرة من أربع سنين، حسيت إني أنا اللي سايقة.

حازم كان عايز يبني مستقبله على كتافي؟

ماشي.

بس أنا هتأكد إن الأساس يتهد فوق دماغه الأول.


الجزء الثالث: التوسل والباب المقفول

لما رجعت البيت، حطيت موبايلي مقلوب على الرخامة وبدأت أشغل الغسالة. صوت الغسالة وهي بتلف كان مريح للأعصاب، كأنها بتغسل أربع سنين من قرف وتعب حد تاني من حياتي.

عشر دقايق والباب خبط.. لا، ده كان بيرزع كأن اللي وراه عليه ديون.

“مي! افتحي.. أبوس إيدك افتحي”.

أخدت وقتي خالص. نقلت الهدوم للنشافة. شطفت مج القهوة. وبعدين فتحت الباب.

حازم كان شكله يصعب ع الكافر. البدلة السواريه مكسرة، شعره اللي كان متسرح بالمللي بقى منكوش، ووشه مخطوف ولونه أصفر زي اللمونة.

أول ما شافني نطق بصوت مبحوح: “وقفوا ترخيصي.. قالوا قيد التحقيق”. بلع ريقه بصعوبة وكمل: “وإدارة المستشفى لغوا استلامي للشغل.. قالوا مينفعش يشغلوا دكتور موقوف.. مي، إنتي قولتي لهم إيه؟”

سندت كتفي على الباب ببرود: “قولت لهم الحقيقة اللي قولتهالك امبارح. مش كنت عايز تغير (المستوى)؟ أهو ده مستوى (الملاحق)”.

زق الباب ودخل الشقة غصب عني، زي عوايده زمان. “إنتي اتجننتي؟ دي غلطة إدارية.. غلطة بسيطة وتتصلح. إنتي اللي مليتي الاستمارات، روحي قوليلهم إنها غلطتك إنتي”.

قفلت الباب ورايا وبصيت له: “يعني خطتك العبقرية إن (الكاشير) اللي إنت لسه سايبها وفاضحها في الميكروفون، تروح تشيل هي تهمة تزوير عشان تحمي مستقبلك المهني؟ بجح بصراحة”.

صوته علي: “ده مش تزوير! دي غلطة غير مقصودة.. إنتي كتبتي (ديسمبر) بدل (مايو) عشان كنتي مطحونة في شغلانتين ومرهقة و..”

قاطعته: “وأنت كنت البيه اللي بيقدم لكلية الطب.. غريبة إن الإرهاق كان من نصيبي والشهادات واللقب من نصيبك”.

مسح وشه بإيده بقلة حيلة: “أرجوكي.. أنا بترجاكي. اتصلي بيهم. قوليلهم إنك إنتي اللي غلطتي”.

مشيت وقعدت على طرف الكنبة القديمة زي القاضي: “خلينا نراجع الحسابات.. أربع سنين بصرف عليك، ليالي سهرانة بشتغل، صحتي راحت، وفي الآخر طردتني من حياتك قدام الناس.. ودلوقتي جاي تطلب مني أزور في أوراق رسمية عشانك؟”

وشه احمر: “محدش قال تزوير.. يا ساتر.. ده مجرد توضيح، وهما هيراعوا الظروف”.

ضحكت بسخرية: “أه طبعاً.. (مراعاة الظروف) دي للبهوات اللي زيك بس”.

سكت لحظة وبدأ يغير أسلوبه، صوته بقى ناعم ومسكن: “مي.. أنا عارف إن امبارح أنا اتصرفت غلط.. خانني التعبير”.

“خانك التعبير؟ ده إنت مسحت بيا بلاط القاعة”.

قرب مني خطوة: “كنت بحميكي.. من الضغط، من العيون، من المجتمع اللي هيبصلك وحش وإنتي معايا في الوضع الجديد”.

“صح.. عشان كدة قررت تحميني بإنك ترميني”.

حط إيده في شعره بتوتر: “هرجعلك كل مليم.. كل قرش صرفتيه هرجعه بفوائده”.

سألته بجمود: “والأربع سنين؟ هترجع شبابي بفايدة كام في المية؟”

ارتبك، ورجع لنغمة “الراجل اللي بيحل كل حاجة بالفلوس”: “عايزة كام؟ اطلبي الرقم اللي يعجبك”.

وقفت ورحت ناحية المكتب، طلعت الدوسيه الأصفر القديم المليان ورق، ورزعته على الترابيزة قدامه.

بص للورق بخوف: “إيه ده؟”

“دي الفواتير.. بالمعنى الحرفي. شيكات مصاريف الجامعة، فواتير الكتب، إيجار شقتك اللي كنت بمد إيدي عشان أدفعه، مصاريف أكلك، وحتى النسخ من كل ورقة واستمارة إنت (أمرتني) أملاها بدالك”.

لونه بقى زي الجير: “إنتي كنتي محتفظة بكل ده؟”

“أنا بنت بلد وشقيانة يا دكتور.. وإحنا بنحتفظ بالإثباتات عشان الزمن غدار”.

قعد على الكرسي كأن رجله مش شايلاه: “هيشطبوني من النقابة”.

“ممكن لا.. لو كانت غلطة وحيدة، هياخدوا منك غرامة وتتوقف شوية. لكن لو لقوا (نمط) متكرر من الكذب..”

رفع راسه برعب: “نمط إيه؟”

وطيت صوتي وبصيت في عينه: “يا حازم.. تحب نفتح الدوسيه ونشوف إيه تاني إنت نسيته وأنا فاكراه؟”

عينيه وسعت: “إنتي مش هتعملي كدة..”

“أقول الحقيقة؟ مكنتش ناوية.. لحد ما شفت ندالتك في الحفلة”.

قام وقف وبدأ يروح وييجي في الصالة بتوتر: “ماشي.. ماشي أنا غلطت. خفت من (البريستيج) ومن كلام أهلي ومن (بسنت)..”

“أه.. وصلنا لفقرة الاعترافات. بسنت دي الدكتورة بنت الناس الأكابر؟”

“الموضوع ملوش علاقة بيها.. أنا كنت مرعوب إني مبقاش قد المكان اللي أنا فيه”.

اتنهدت: “المشكلة إنك فعلاً مكنتش قده.. عشان كدة كان لازم إحنا الاتنين نشيلك.. ولما وقفت على رجلك، أول حد رفسته كان أنا”.

وقف قدام الباب وبصلي بنظرة مكسورة: “طب والحل؟”

“الحل إنك تشوف محامي شاطر في قضايا النقابات. وتبطل تتصل بالواحدة اللي مسحت بكرامتها الأرض عشان تنقذك. وتتعلم تبقى راجل مسؤول عن أفعاله”.

سألني بصوت واطي: “وإنتي؟”

“أنا عندي شغل.. قصدي، عندي حياة”.

قبل ما يخرج، بصلي آخر بصة فيها أمل يائس: “مفيش أي أمل تعملي المكالمة دي عشاني؟”

“يا حازم.. إنت شكرتني على (خدماتي) قدام الناس ومشيتني. أنا مش هرتكب جريمة عشانك”.

فتح الباب وهو بيجر رجليه: “أنا كنت بحبك.. بطريقتي”.

ابتسمت ابتسامة تعب: “وهي دي كانت المشكلة”.

خرج وقفلت الباب وراه. قعدت على الأرض وسحبت الدوسيه.. إيصالات وتواريخ.. دي مش مجرد ورق، ده كان “عمودي الفقري” اللي ساندته بيه.

فتحت اللابتوب وكتبت في البحث: “إجراءات ترخيص المشروعات الصغيرة”.

موبايلي رن. رسالة من ريم: “إنتي كويسة؟ لو محتاجة شهادة حق بخصوص كلامه في الحفلة، أنا موجودة”.

ابتسمت ورديت: “أنا كويسة.. وبجهز للبداية”.


الجزء الرابع: التحقيق وبداية الطريق

أول جواب رسمي من النقابة وصل بعد أسبوعين.

مش على عنواني، وصل على عنوان حازم الجديد في “الكومباوند” اللي أهله أجروه له عشان الوجاهة الاجتماعية. بس ريم بعتتلي صورته واتساب.

“إخطار بوقف الترخيص مؤقتاً لحين انتهاء التحقيق”.

زي ما الموظفة قالتلي بالظبط.

ريم قابلتني تاني يوم وحكتلي والشماتة باينة في صوتها: “الواد منهار.. بيبيع عربيته الـ BMW عشان مش قادر يدفع أقساطها، ورجع يركب عربية مامته القديمة”.

قلت لها وأنا بقلب الشاي: “أهو ده مقامه”.

في الوقت اللي حازم كان بيغرق فيه، أنا كنت بدأت أشم نفسي.

المحامي بتاع حازم اضطر يتفاوض معايا عشان مسكتهوش عن باقي الفلوس، ورجعلي جزء من المبلغ.. مش الـ ٥٣٤ ألف كلهم، بس مبلغ محترم أبدأ بيه.

إيجار المحل القديم اللي كان عيني عليه من زمان. محل صغير في شارع جانبي هادي.

سميته “فصل ورواية”. مكتبة لبيع الكتب المستعملة والجديدة، مع ركن قهوة صغير، وكراسي مريحة للقراءة.

يوم الافتتاح عمري ما هنساه.

ريم جت وجابت ورد. وجيران المنطقة دخلوا يتفرجوا. وبحلول الضهر المحل كان مليان ناس.

لأول مرة مكنتش “الجرسونة” اللي بتخدم على حلم حد تاني.. كنت “صاحبة المكان”.

بالليل، وأنا قاعدة في المحل بعد ما الناس مشيت، بشرب قهوة وببص ع الرفوف اللي رصيتها بإيدي، موبايلي جاب رسالة صوتية.

حازم.

صوته كان بيعيط: “مي.. شطبوني. لغوا الترخيص خالص وقالوا تزوير وسوء نية. والمستشفى لغت العقد. وبسنت سابتني ومبتردش عليا.. أنا خسرت كل حاجة. أبوس رجلك ساعديني”.

سمعت الرسالة مرة واحدة. ولا مسحتها ولا رديت. سيبتها زي ما هي.. شبح من الماضي.

بعد أسبوعين ريم عدت عليا وقالتلي وهي بتقلب في رواية: “عرفتي آخر الأخبار؟ شغال دلوقتي مندوب مبيعات طبية.. بيلف بشنطة على العيادات”.

ابتسمت وأنا برص الكتب: “من دكتور قد الدنيا لمندوب بشنطة.. الدنيا دوارة”.

“بيسأل عليكي كل شوية”.

“قوليله الحقيقة.. مي اللي تعرفها ماتت يوم الحفلة”.


الجزء الخامس: النهاية الصافية

بعد ست شهور من حفلة “الدكتور العازب”، حياتي مكنتش رماد زي ما كنت فاكرة.

مكتبة “فصل ورواية” بقت ملتقى للمثقفين والشباب في الحي.

يوم السبت ورشة حكي للأطفال، ويوم التلات ندوة شعرية. المكان كان دافي ومليان حياة، وعملت لنفسي اسم وكيان.

أما حازم.. بقى حكاية بتتحكي في القهاوي عن “الدكتور اللي طمع وخسر كله”.

الناس كانت بتقول “يا حرام، مستقبله ضاع”.

بس أنا كنت بقول في سري: “ده عدل ربنا”. هو مضيعش مستقبله، هو ضيع مستقبلي أنا ٤ سنين، وربنا جاب لي حقي.

وفي وسط كل ده، القلب دق تاني.

“دكتور شريف”، أستاذ أدب إنجليزي في الجامعة. دخل المكتبة يدور على كتاب قديم، وخرج برقم تليفوني وقلبي.

راجل ناضج، مش محتاجني أصرف عليه ولا أسنده. بيحترمني وبيحب عقلي وشغلي.

في يوم كنا بنتعشى سوا، بص لي في ضي الشموع وقال: “عارفة أكتر حاجة بتعجبني فيكي إيه يا مي؟”

ضحكت: “تنظيمي للكتب؟”

ابتسم: “إنك حولتي الكسرة لبداية جديدة”.

آخر مرة شفت فيها حازم كانت صدفة بحتة.

كنت ماشية في الشارع وشايلة أكياس طلبات للبيت، ولمحته واقف قدام عيادة دكتور، لابس بدلة رخيصة ومبهدلة، وماسك شنطة العينات، وشكله كبر عشر سنين.

عيني جت في عينه لثانية واحدة.

منكسش عينه، ولا شاور.. بس بص لي بصه كلها ندم وحسرة على النعمة اللي رفسها برجله.

ابتسمت له ابتسامة مهذبة.. زي ما بتبتسمي لحد غريب في المواصلات.. وكملت طريقي.

لأنه بقى فعلاً غريب.

رجعت المكتبة، وعلقت يافطة “مفتوح”. ودخلت زبونة بتدور على رواية لـ “رضوى عاشور”.

“الست دي بتكتب عن الستات اللي بتقدر تواجه الدنيا”، الزبونة قالتلي.

رديت عليها بثقة: “فعلاً.. وأهو إحنا منهم”.

في الليلة دي، صبيت لنفسي فنجان قهوة مظبوط، ورفعته في الهوا وحييت نفسي بصوت عالي:

“في صحة نجاحك يا مي.. وفي صحة إنك أخدتي بالظبط اللي تستاهليه”.

المرة دي، طعم الكلام مكنش مر ولا فيه وجع.

كان طعمه حرية.. وانتصار.

اترك ردّاً