حماتي كانت ناوية توديني في داهية في أمن المطار… عشان كده بدلت الشنط وكشفت خطتها

حماتي كانت ناوية توديني في داهية في أمن المطار… عشان كده بدلت الشنط وكشفت خطتها، عملت حاجة واحدة بس هي اللي أنقذ حياتي

كان لازم أفهم الرسالة من أول لحظة حماتي حضنتني فيها فترة أطول من الطبيعي. دراعاتها كانت محاوطاني جامد، كأنها خايفة أهرب منها قبل ما تعمل الهي عاوزاه فيا . ابتسامتها كانت مرسومة على وشها وهي ساندة على كتفي، ابتسامة صفراء  .. زي ما تكون بتقول جواها هخلص منك خلاص !

وداع “محسوب بالمللي”.. ولعنة الشنط المتطابقة! 🧳😰

أنا اسمي “ليلى”، وفي اليوم ده كنت مسافرة من “القاهرة” لـ “دبي” عشان أحضر برنامج تدريبي للقيادة الشركة وافقت عليه بعد ما استنيت قريب من السنة. دي كانت المفروض تكون نقلة كبيرة في حياتي المهنية، النوع ده من الفرص اللي الناس بتباركلك عليه وفي سرهم بيقولوا “يا ريتها كانت ليا”.

لما روحت الصالة، البيت كان شكله مترتب بزيادة، كأن الترتيب ده جزء من قناع أو خدعة، وسكون وهدوء تحس إنه متدرب عليه مش هدوء طبيعي.

حماتي، “صفية”، كانت بتتحرك في المطبخ بنشاط وطاقة غريبة على غير طبعها الهادي والمتحفظ. كانت عمالة تدندن، وعزمت عليا بالقهوة مرتين، وعنيها كل شوية تروح ناحية شنطة سفري اللي جنب الباب.. كأنها خايفة الشنطة تتحرك من غير إذنها.

سألتني وهي بتحاول تبان طبيعية وعنيها بتبص في حتة تانية: “إنتي متأكدة إنك راجعتي قوانين الطيران والوزن؟ الأمن في المطار بيبقى رخم ومتشدد أوي اليومين دول.. الواحد مايضمنش ممكن يسألوا على إيه.”

رديت عليها بنبرة عادية: “يا طنط أنا سافرت كتير.. وباخد بالي كويس.”

هزت راسها، وهي معدية من جنبي، صوابعها لمست إيد الشنطة.. لمسة سريعة بس مقصودة. ومكنتش دي أول مرة. طول الأسبوع كانت بترمي تعليقات غريبة.. تسأل عن إجراءات التفتيش، وتهزر عن التفتيش الذاتي، وتحذرني قد إيه المطارات بتبقى توتر “لو حصلت حاجة غير متوقعة”. كل تعليق لوحده مكنش له معنى، بس لما حطيتهم جنب بعض، عقلي بدأ يرسم صورة لحاجة مش مريحة.

في الطرقة، كانت “مها” (سلفتي وأخت جوزي) واقفة بتلبس الجاكت بتاعها، وشنطتها مركونة جنب شنطتي.

الشنطتين كانوا نسخة طبق الأصل.. نفس اللون الرمادي الغامق، نفس الماركة، حتى نفس الخدش البسيط في زاوية الشنطة. من شهور فاتت، حماتي “صفية” صممت إننا نشتري طقم شنط واحد وموحد عشان “يسهل السفر العائلي ويبقى شكلنا شيك”. وقتها، افتكرتها حركة لطيفة منها. بس وأنا واقفة دلوقتي، حسيت إن الموضوع كان متخطط له من بدري.

“مها” ضحكت ضحكة مهزوزة وهي بتشاور على الشنط وقالت:

“شكلنا كده بنلعب مع القدر بالشنط المتطابقة دي، مش كده؟”

ابتسمت لها، بس قلبي اتقبض من جوا.

وبعدين “صفية” حضنتني تاني.

هي مش ست حنينة أوي بطبعها، بس عمرها ما كانت بتطول في الحضن كده. الحضن ده كان مختلف. استمر كتير. دراعاتها كانت قوية على ضهري، ودقنها ساندة على كتفي وخدت نفس طويل وبطيء.. زي واحد بيستعد ينط من مكان عالي.

همست في ودني وقالت: “توصلي بالسلامة.. كل حاجة هتبقى تمام.”

صوتها مكنش بيتهز من المشاعر أو الخوف عليا.

كان بيتهز من الترقب والانتظار للمصيبة اللي هتحصل.

لما “صفية” بعدت عني أخيراً، أنا ما نطقتش ولا كلمة. ما واجهتهاش بشكوكي، ولا سألت أسئلة كنت عارفة إن إجابتها هتكون أكاذيب متحضرة ومحفوظة كويس. بدال الكلام، مشيت ناحية العربية وفتحت الشنطة الخلفية.. وفي اللحظة اللي هما كانوا ملخومين فيها في الكلام والوداع، وبحركة هادية وسريعة.. بدلت أماكن الشنط.

من غير دراما..

من غير تردد..

كان مجرد إحساس داخلي حركني.

طريقنا للمطار كان ماشي بـ “طبيعية مصطنعة”. “صفية” كانت عمالة ترغي عن حالة الجو وتقييمات الفنادق، و”مها” (سلفتي) كانت مشغولة بتقلب في تليفونها. وأنا كنت باصة من الشباك، براقب الطريق وبيوت المدينة وهي بتجري لورا، وشايفة انعكاس صورتي حصرى على موقع ثقف نفسك على القزاز زي حد عارف كويس الحكاية دي هتخلص على إيه.

المطارات دي أماكن بتلع البني آدمين.. أصوات متداخلة، نداءات بتتردد في الصالة، والكل بيجري عشان يلحق وجهته. خلصنا إجراءات السفر، وكل واحدة فينا وقفت في طابور تفتيش مختلف، وبدأنا الروتين الممل.. اقلع الجزمة، حط اللابتوب في صينية، واستنى.

وفجأة.. صوت الإنذار ضرب.

صوت عالي، حاد، وقاطع. سير الشنط وقف فوراً، وضابط الأمن سحب شنطة على جنب.

شنطة “مها”.

قبل ما أي حد ينطق حرف.. وقبل حتى ما الضابط يرفع إيده عشان ينده صاحبة الشنطة.. صوت “صفية” شق سكون صالة المطار:

“دي مش شنطتها!!”

الجملة طلعت منها بسرعة جنونية، وصوتها كان عالي أوي، ومليان لهوجة وفزع مالوش علاقة بمجرد “لخبطة في الشنط”.

الناس كلها لفت تبص.

“مها” اتسمرت مكانها، وشها جاب ألوان وقالت بذهول: “إيه؟ لا طبعاً دي شنطتي.. في إيه؟”

“صفية” قربت من الأمن، والرعب كان باين صريح في عنيها وقالت: “لأ، مستحيل. أكيد الشنط اتبدلت.. أرجوك.. بس افتحها وشوف.”

الضابط اتصرف بمهنية وبرود. فتح سوستة الشنطة ورفع الغطا.

جوا الشنطة، مدسوسة بنظام وسط الهدوم المتطبقة، كان فيه لفائف صغيرة ملفوفة بعناية. الضابط فتح واحدة.. وبعدين التانية.

وتحت أضواء المطار القوية، بانت الحقيقة.. أحجار كريمة، بتلمع ومصقولة، شكلها غالي جداً وواضح إنها حاجات مش طبيعي تكون في شنطة سفر عادية، حاجات مهربة.

“مها” شهقت بصوت عالي: “أنا عمري ما شفت الحاجات دي في حياتي والله!”

أنا فضلت ساكتة. مكنتش محتاجة أتكلم.

“صفية” مكنتش مصدومة من “الحاجة” اللي اتمسكت..

هي كانت مصدومة الحاجة دي اتمسكت مع مين.

إجراءات الأمن اتشددت في ثانية. أسئلة ورا أسئلة. طلبوا إفادات رسمية. وهنا بدأت “صفية” تقع بلسانها، كل تبرير كانت بتقوله كان بيغرقها أكتر. ولما الضابط سألها بذكاء: “حضرتك عرفتي منين إن في حاجة غلط قبل حتى ما نفتح الشنطة؟”.. ما لقتش إجابة غير التأتأة.

هنا أنا اتقدمت بخطوة هادية وقلت للضابط: “هي اللي ساعدتنا في توضيب الشنط.. كانت مهتمة أوي تشرف على كل حاجة بنفسها.”

“صفية” صرخت بسرعة: “محصلش! دي كذابة!”

الضابط سكت وبصلها برفع حاجب.. وساد صمت تقيل ومفهوم جداً.

الشرطة أخدت “صفية” للتحقيق. و”مها” وقعت على الكرسي منهارة، جسمها بيترعش ودموعها نازلة شلال، مزيج من الصدمة والرعب اللي عاشته. قعدت جنبها أهديها، وأنا مدركة تماماً إن الكارثة دي كانت معمولة عشاني أنا، وإن “شعرة” كانت بتفصلني عن دمار مستقبلي.

بعدين، التحقيقات كشفت إن “صفية” كانت بتحاول تهرب مقتنيات ثمينة غير مصرح بيها، ليها علاقة بقضية قديمة كانت فاكرة إن الزمن نساها. هي ما اخترتش بنتها “مها” عشان تلبسها المصيبة.. هي اختارتني أنا لإن أنا “الهدف السهل”.. مرات الابن.. الغريبة.. الشخص اللي لو وقع، حصرى على موقع ثقف نفسك هتعرف تبرر سقوطه وتعيش هي دور الضحية.

لما جوزي “حسام” اتصل بيا، صوته كان مكسور ومخنوق: “ليه ما قلتيليش إنك شاكة فيها؟”

رديت عليه بصدق: “عشان كان عندي أمل أطلع غلطانة يا حسام.. وعشان ساعات الدليل مابيظهرش غير لما تحمي نفسك الأول.”

“صفية” ماركبتش الطيارة في اليوم ده. واجهت مصير كانت بتهرب منه بقالها سنين. “مها” قطعت علاقتها بيها، واختارت راحة بالها. وأنا وحسام بدأنا جلسات مشورة عشان نرمم الثقة اللي السكوت كان هيدمرها بينا.

لما وصلت وجهتي، الجو كان بارد، بس حسيت بخفة غريبة ماحستهاش من زمان. كل خطوة بآخدها لقدام حسيت إني استحقيتها بجد.

ولما حد بيسألني: ندمانة إنك بدلتي الشنط؟ إجابتي عمرها ما بتتغير.

لأ.

إنك تصدق إحساسك ده مش خيانة.

ده احترام للذات ودفاع عن النفس.

وساعات.. أهدى قرار بتاخده في لحظة صمت، هو القرار اللي بينقذ حياتك.

اترك ردّاً