“اللي هتقدر تخلي ابني يتكلم ، هتجوزها!”.. ده كان إعلان المليونير، وهو مش متخيل أبداً إن الشغالة هي اللي هتصدم الكل.

“قولها تاني،” قالتها “حنان” وهي بتترجاه، وصوتها بيرتعش كأنها مش عارفاه. “يا آدم… أرجوك. قولي قولت إيه.”

الولد انتفض، وكش في نفسه كأن الكلمة الوحيدة دي حرقت لسانه. هي فلتت منه غصب عنه، وبسرعة الخوف رجع وكتم بوقه تاني. والسكوت رجع سيطر عليه فوراً.

“حنان” مدت إيدها، بتحاول تتمالك أعصابها قبل ما تلمسه. هي عارفة كويس إن الضغط عليه دلوقتي مش صح. لو استعجلت أو بالغت في المشاعر، هيهرب تاني ويستخبى ورا الجدار بتاعه.

مسحت حتة شوفان من على دقنه، ببطء وحذر، عشان تحسسه بالأمان وهي كمان تهدى.

سألته بصوت واطي وهي بتجبر صوتها يبقى هادي ومطمن: “المكان اللي قولت عليه… تقدر توريني هو فين؟”

“آدم” ماردش. بس رفع إيده، وصوابعه بتترعش، وشاور.

شاور على الركن البعيد في أوضة اللعب.

“حنان” مشيت بعينها مع اتجاه صباعه… ونفسها اتكتم.

هناك، مستخبي نص تخبئة ورا رف، كانت اللعبة المكسورة. مشروخة، ومنسية، واعتبروها مالهاش لازمة من أسابيع. نفس اللعبة اللي كانت شاغلة بالها ومش عارفة ليه.

وراها، “رمزي” (الأب) هز راسه، وهو بيحاول يستوعب ومش فاهم.

همس وقال: “لعبة؟ عايزة تقوليلي إن خمس سنين سكوت… عشان استغماية؟”

"اللي هتقدر تخلي ابني يتكلم ، هتجوزها!".. ده كان إعلان المليونير، وهو مش متخيل أبداً إن الشغالة هي اللي هتصدم الكل.
“اللي هتقدر تخلي ابني يتكلم ، هتجوزها!”.. ده كان إعلان المليونير، وهو مش متخيل أبداً إن الشغالة هي اللي هتصدم الكل.

بس “حنان” ماردتش.

لأنها في اللحظة دي، فهمت حاجة “رمزي” لسه ماوصلهاش:

الكلمة الوحيدة دي مكنتش بخصوص لعبة أصلاً.

“حنان” هزت راسها وقالت: “يا بيه، دي مش لعبة. دي ضرورة. الطفل مابيطلبش مكان يستخبى فيه إلا لو شاف حاجة محتاج ينساها، أو لو حد طلب منه يستخبى من مصيبة.”

بصت لـ “رمزي”. هو عمره ما فكر في احتمالية وجود صدمة حقيقية، كان فاكرها بس عقدة نفسية معقدة.

“آدم” ماكسرش حاجز الصمت. هو كان بيدي أمر. تحذير مشفر.

“حنان” مسكت اللعبة، قطر خشب قديم. كان بايظ، بس لاحظت تفصيلة مهمة: الخشب كان مكحوت في حتة معينة، كأنه كان بيتحك في سطح خشن كذا مرة.

القطر مكنش هو المكان اللي بيستخبى فيه. ده كان المفتاح.

غمغمت “حنان”: “دي مش لعبة طفل بيلعب بيها يا بيه. دي أداة بيستعملها عشان يوصل لمكان. عشان يحفر أو يزق حاجة.”

الفيلا الجميلة الكلها كريستال و ورخام، واللي كان بيبرق من النضافة، فجأة بقى بارد، كأنه مقبرة.

“رمزي” حس بالإهانة. الشغالة كشفت في دقايق اللي عشرات الخبراء والمليونيرات ماعرفوش يوصلوله. التحدي العلني بتاعه بدأ يتحول لكابوس خاص ومرعب.

الطريق خرجهم من أوضة الألعاب. “آدم” كان بيمشيهم، خطواته صغيرة، كأنه خايف يتقفش.

عدوا من المطبخ، ومن سفرة الأكل الرئيسية، لحد ما وقفوا قدام السلالم اللي بتنزل للبدروم.

البدروم ده محدش كان بيستعمله. كان فيه بس سخانات ومواسير قديمة. “رمزي” تقريبا منزلش هناك بقاله عشر سنين.

الهوا تحت كان تقيل. ريحة الرطوبة والتراب كانت مختلطة بحاجة تانية خفيفة: ريحة برفيوم قديمة ومألوفة.

“آدم” وقف في أضلم ركن، المكان اللي الحيطة الحجر بتقابل فيه مكتبة خشب ماهوجني مبنية في الحيطة، مليانة دفاتر حسابات محدش بيقراها.

الولد شاور على المكتبة.

“هناك،” “حنان” همست، وهي حاسة بقلبها بيدق في زورها.

“رمزي” تردد. إنه يحرك المكتبة معناه اعتراف إن سكوت ابنه مرتبط بسر جوه بيتهم.

بس وش “آدم”، وعينه المتثبتة على الخشب، ماخلوش فيه مجال للشك.

“رمزي” زق المكتبة التقيلة. صوت احتكاك المعدن مع الأسمنت عمل صدى في هدوء البدروم.

ورا المكتبة مكنش فيه حيطة حجر. كان فيه باب.

باب خدمة صغير، شبه مش متشاف، بقفل قديم ومصدي. كان متغطي بطبقة سميكة من خيوط العنكبوت، بس مكنش مقفول بإحكام تام.

“رمزي” حس برعشة ملهاش أي علاقة ببرودة البدروم.

“حنان” قربت، ونفسها عالي. ريحة البرفيوم القديم كانت أقوى هنا. وشمت ريحة حاجة تانية، حاجة معدنية ومسكرة، صعب تتحدد.

“رمزي” استعجل وحط المفتاح “الماستر” اللي كان في ميداليته. القفل كان قديم وعصلج معاه.

“حنان” وقفته وهمست: “لأ. مينفعش هو يشوف ده.” كانت تقصد “آدم”، اللي كان لازق في رجل “حنان” وباصص للباب برعب حقيقي.

“لازم نعرف إيه اللي خلاه ينطق يا حنان. لازم ندخل،” “رمزي” زمجر بصوت مخنوق ومسعور.

“آدم” طلع صوت أنين مكتوم. مكنتش كلمة، بس كان صوت خوف صافي، صوت عمره ما طلعه قبل كدة.

“رمزي” ضغط بكل قوته وحاول يفتح القفل بالعافية. الخشب زقزق. والترباس طق وفتح.

وفي اللحظة اللي “رمزي” زق فيها الباب التقيل، الضلمة اللي ورا الشق ماكانتش ساكتة زي ما توقعوا. صوت خربشة ضعيف، بس مسموع بوضوح، جه من الناحية التانية، ومعاه ريحة مسكرة ومقرفة عبقت البدروم كله.

حقوق التصميم والمحتوى محفوظة لموقع ثقف نفسك www.thaqafnafsak.com

اترك ردّاً