“أنا عندي أخ عايش عند تيتة.. بس ده سر يا ماما “بعد قضاء عطلة نهاية الأسبوع في منزل حماتي ، قالت ابنتي ذات الخمس سنوات مُجرد جملة عابرة جعلت قلبي يتوقف في مكانه !
أنا متزوجة من خالد منذ ثماني سنوات، ونربي معاً ابنتنا الصغيرة لينا. والدة خالد، الحاجة هدى، تعيش بمفردها في حي هادئ يبعد عنا حوالي أربعين دقيقة. هي جدة محبة وتهتم بلينا جداً، وتقضي معها وقتاً طويلاً.
في نهاية ذلك الأسبوع، بقيت لينا عند جدتها من يوم الجمعة حتى الأحد.
عندما ذهبت لأخذها، كانت مبتهجة وتتحدث بلا توقف عن إعداد الحلوى، والألعاب، والسهر لوقت متأخر مع جدتها. كل شيء كان يبدو طبيعياً تماماً.
ولكن في وقت لاحق من ذلك المساء، أصبحت هادئة فجأة وذهبت مباشرة إلى غرفتها. افترضت أنها متعبة فقط.
بينما كنت أرتب الملابس في الممر، مررت بجانب باب غرفتها المفتوح ورأيتها تجلس على الأرض، وألعابها مبعثرة حولها. كانت تهمس لنفسها، غير مدركة تماماً أنني أستمع إليها.
قالت بصوت خافت: “يا ترى أجيب إيه لأخويا لما أروح عند تيتة تاني؟”
تجمدت في مكاني.
دخلت الغرفة، ومسحت على شعرها برفق وسألتها: “حبيبتي، أخ مين اللي بتتكلمي عنه؟ هل قابلتي صديق جديد عند تيتة؟”
تجنبت النظر في عيني وقالت: “ده سر يا ماما.. مش مسموح لي أقول.”
تسارعت دقات قلبي. جلست بجانبها على ركبتي وحافظت على نبرة صوتي هادئة: “تقدري تحكي لي أي حاجة يا حبيبتي. مين تقصدي؟”
بعد صمت طويل، همست: “تيتة قالت لي ما أقولكيش.”
بدأت يداي ترتجفان وسألتها: “ما تقوليش إيه؟”
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت: “أنا عندي أخ صغير.. وهو عايش عند تيتة.”
كان قلبي يدق بصوت عالٍ لدرجة أنني لم أستطع التفكير. لم تضف لينا أي كلمة أخرى.
لم أواجه زوجي خالد. كنت مرعوبة من سماع إجابة حصري على موقع ثقف نفسك لا يمكنني الرجوع عنها. لكن عقلي لم يتوقف عن الدوران. هل زوجي يخونني؟ ومن هذا الطفل الذي يعيش مع والدته؟
لم أستطع النوم، ولم أستطع الأكل.
بعد بضعة أيام، وبعد أن ذهبت لينا إلى الروضة وتوجه خالد إلى عمله، ركبت سيارتي وقدت مباشرة إلى منزل حماتي هدى لأكتشف الحقيقة.
وصلت بيت حماتي ودقيت الجرس، ولما الحاجة هدى فتحت وواجهتها باللي لينا قالته، وشها اتخطف ولونها راح. دخلتني جوا وهي إيديها بتترعش وقعدنا.
قالت لي بصوت واطي ومكسور: “كان فيه حد قبلك يا بنتي.. قبل ما أنتي وخالد تتقابلوا أصلاً.”
قلبي وقع في رجلي.
كملت وقالت إن خالد كان مرتبط بواحدة زمان وهما صغيرين. ولما حصل حمل، كانوا خايفين بس في نفس الوقت عندهم أمل.. كانوا رتبوا أسامي وحلموا بمستقبل.
مسحت دموعها وقالت: “كان ولد.. بس اتولد بدري أوي.. عاش دقايق معدودة بس ومات.”
خالد شال ابنه يا دوب لحق يحفظ ملامحه. ماكانش فيه جنازة، ولا حتى قبر نزوره.. كان بس فيه صمت طويل وحزن مكتوم.
الحاجة هدى اخترعت طريقتها الخاصة عشان تفتكر حفيدها اللي ملحقتش تشوفه.. زرعت ورد معين في ركن في الجنينة وعلقت “جرس هوا” صوته رقيق بيرن كل سنة في معاده.
وحكت لي إزاي لينا عرفت.. وهي بتلعب في الجنينة سألت تيتة ليه حوض الورد ده مختلف عن الباقي؟ هدى حاولت تتهرب من السؤال، بس في الآخر حبت تقولها الحقيقة بس بطريقة طفولية تناسب سنها.
قالت لها وهي بتعيط: “أنا قلتلها إن الورد ده عشان أخوها.. مكنتش أقصد أبداً إنه يبقى سر تخبيه عنك.”
فجأة، كل حاجة وضحت قدامي.
مفيش خيانة. مفيش طفل سري عايش معاها ومخبيينه عني. مفيش غدر.
كان مجرد “حزن”.. حزن قديم عمرهم ما اتكلموا عنه بصوت عالي.
في نفس الليلة، وبعد ما لينا نامت، واجهت خالد. اعترف لي إنه مكنش عارف يشاركني الوجع ده إزاي، كان فاكر إنه لما يدفن السر ده جواه بيحمينا وبيحمي نفسه.
قلت له: “الحاجات دي مبتموتش بالسكوت.. إحنا لازم نشيل الحمل ده سوا.”
بكى في حضني زي الطفل الصغير.
في نهاية الأسبوع اللي بعده، رحنا كلنا عند الحاجة هدى. وقفنا في الجنينة الخلفية قدام الورد. لينا وقفت تسمعنا وإحنا بنفهمها إن أخوها كان صغير جداً، وإنه حقيقي، وإن عادي نتكلم عنه ونفتكره.
سكتت لحظة وسألت ببراءة: “هو الورد ده هيطلع تاني في الربيع؟”
جدتها ردت بحنية: “أيوه يا حبيبتي.. كل سنة.”
لينا هزت راسها وقالت: “كويس.. أنا هقطف وردة مخصوص عشانه.”
لحد دلوقتي، لينا لسه بتشيل لعب ومكعبات على جنب لأخوها.
ولما بسألها ليه، بتقول لي: “عشان لو جه.. احتياطي.”
وأنا مبقتش أصحح لها المعلومة.
الحزن مش محتاج “تصلح” أو علاج.
الحزن محتاج مساحة.. مساحة عشان يكون موجود بصدق، ومن غير خجل.
ويمكن هي دي بداية التعافي الحقيقية.







