لأول مرة في حياتي، ابني خدني فندق من اللي بنشوفهم في الأفلام. قضينا الخميس والجمعه والسبت هناك.. ضحك، وأكل، وعملنا فيها عيلة سعيدة ومترابطة بجد. وساعة ما جينا نمشي، ابني الكبير باسني على خدي وقال لي بحنية: “تسلمي يا ست الكل على كل حاجة”. وبعدين لف وشه ومشي.. وسابني لوحدي مع فاتورة كفيلة إنها توديني في داهـ.ـية.
أنا عمري ما كنت من رواد الأماكن دي.
الفندق كان حاجة خيال.. رخام بيلمع، وهدوء، وناس شغالة بتتحرك من غير صوت كأنهم طايرين. ولادي “سامي” و”عماد“، قالولي إن العزومة دي هدية. كلمة “شكراً” على تعبي معاهم السنين اللي فاتت، وإني ربيتهم لوحدي وعمري ما اشتكيت.
ولأول مرة.. صدقتهم.
الجناح كان واسع زيادة عن اللزوم وهادي أوي. كانوا بيضحكوا وهما بيلبسوا الروب الفخم، ويطلبوا أكل من غير ما يبصوا على السعر، ويهزروا ويقولوا “هي دي العيشة”. كنت ببتسم وبسكت.. طول عمري مدارية همي عشان هما يعيشوا واخدين راحتهم.
الوقت عدا هوا.
واحنا بنلم حاجتنا يوم الأحد، “سامي” حضني بسرعة وقال ببرود:
“شكراً إنك شيلتي الليلة يا أمي”.
ونزل هو وأخوه من الباب قبلي.
عند الريسبشن، الموظف زقلي ورقة بهدوء.
الرقم اللي فيها صدمني: 2600 دولار.
قلبي اتقبض والدنيا لفت بيا. أنا يا دوب شغلي بيكفيني، والقرشين اللي باخدهم ميكفوش لأخر الشهر. المبلغ ده مقدرش عليه حتى لو بطلت أكل وشرب سنة بحالها. إيدي كانت بتترعش والفاتورة اتكرمشت في إيدي.
سمعت صوت هادي: “يا مدام؟ حضرتك كويسة؟”
رفعت عيني بصعوبة.
الراجل اللي واقف ورا المكتب كان شعره شايب وعينيه مليانة طيبة.. بصلي نظرة غريبة، مش شفقة، لكن كأنه “عرفني”.
سألني بحذر: “حضرتك.. هتدفعي الفلوس ؟ ولا مين هيدفع دلوقتي ؟
قولتله لحظة واحدة بس هعمل مكالمة
لسة ما خلصتش كلامي لاقيت القدر اتدخل في الوقت دة
الراجل فجأة قالي : انتي بنت الأستاذ عزت؟”
حسيت الأرض بتميل.
محدش جاب سيرة أبويا من سنين. كان راجل بعيد، رجل أعمال ودايماً مسافر ومشوفتش منه خير. ولما مات، سابلي أسئلة ملهاش إجابة وديون وتعب.
همست بصوت مبحوح: “أيوه.. ليه؟”
قال: “أنا اسمي عم محمود، اشتغلت مع والدك 33 سنة”.
سكت شوية، ومد إيده تحت المكتب وطلع ظرف تخين باين عليه قديم.
قال عم محمود: “قبل ما يتوفى، وصاني أديكي الظرف ده.. بس بشرط واحد: لما يجي الوقت المناسب”.
إيدي كانت بتترعش وأنا باخده منه.
سألته والدموع في عيني: “واشمعنى دلوقتي؟”
عم محمود ابتسم ابتسامة حزينة وقال:
“لأنه قال لي بالحرف: بنتي عمرها ما هتدخل مكان زي ده أبداً.. إلا لو مكنش قدامها أي حل تاني”
فتحت الظرف..
وفي اللحظة دي، كل حاجة كنت فاكراها عن ماضيَّ.. وعن مستقبلي.. اتغيرت للأبد.
الجزء الثاني: مفتاح الخزنة B47
فتحت الظرف وقلبي بيدق.. ملقيتش فلوس. ولا رسالة. ولا حتى كلمة اعتذار.
لقيت حاجة واحدة بس.. مفتاح.
مفتاح تقيل، معدن بارد، ومحفور عليه كود واحد: B47.
سألته والدهشة شلاني: “إيه ده؟”
عم محمود خد نفس طويل كأنه بيحضر نفسه للكلام وقال:
“والدك الله يرحمه كان مأجر مخزن في مبنى قديم في منطقة الزمالك. وصاني أديكي المفتاح ده لما أحس إنك بقيتي في أشد الحاجة ليه، وإن مفيش قدامك مخرج تاني”.
كنت عايزة أرفض. كنت عايزة أرمي المفتاح في وشه وأقوله مش محتاجة حاجة من راجل قضى عمره يقولي إني “حساسة زيادة” وإني “ضعيفة ومش هفلح”، وإني لازم أتعلم أعيش بدراعي.
بس وأنا واقفة مكسورة، ولادي رموني في حصرى على موقع ثقف نفسك الفندق ومشوا، وفاتورة بآلاف الدولارات هتقطم وسطي.. أخدت المفتاح.
حاجة جوايا قالتلي إن الموضوع مش فلوس. الموضوع فيه “إجابات”.
وإن اللي ورا الباب B47 هيغير كل حاجة أعرفها عن أبويا.. وعن نفسي.
تاني يوم روحت العنوان.
مبنى حجري ضخم، متجدد من بره بس من جوه تحسه جي من زمن تاني. الأسانسير بيزيق، وطرقة الدور الأرضي ريحتها ورق قديم وحديد.
وصلت للمخزن B47 في آخر الممر. حطيت المفتاح.. لف بـ “تكة” ناعمة كأنها مألوفة.
فتحت الباب. مكنش فيه تراب ولا كراتين قديمة زي ما توقعت.
المكان كان مليان دواليب ملفات حديد.. مرصوصة بانتظام ودقة عسكرية.
قعدت على ركبي وفتحت أول درج.
كشوف حسابات بنكية. عقود. مشاريع هندسية عمري ما سمعت عنها. رسومات وتصاميم. وفي كل ورقة، اسم أبويا مكتوب جنب اسم شركة واحدة: “مجموعة النورث بريدج للاستثمارات”.
أبويا كان شريك مؤسس.
والشركة دي.. بقت دلوقتي واحدة من أكبر حيتان السوق في البلد.
همست وأنا بقلب الورق ونفسي مكتوم: “مش ممكن..”
وسط الورق، لقيت وثيقة خلت الدم يهرب من وشي. اتفاقية شراكة موقعة قبل موته بـ 3 شهور بس. ومكتوب فيها بخط واضح:
“في حالة وفاة الشريك، تنتقل حصته بالكامل وبحق الإدارة لابنته الوحيدة..”
ركبي خبطت في الأرض.
لو الكلام ده حقيقي.. يبقى أبويا مسبنيش لوحدي زي ما كنت فاكرة.
ده سابلي ثروة. سابلي حياة جديدة. وسلطة عمري ما حلمت بيها.
بس المفاجأة مخلصتش هنا.
لقيت ملف أسود من غير اسم. فتحته.. وكان جواه صور.
صور ليا وأنا خارجة من شركة التنظيف مهدودة.. صور لولادي وهما بيصرفوا ببذخ.. وصور لـ “طليقي” وهو قاعد مع ناس شكلهم مش مريح.
حد كان بيراقبني. ومش أبويا.
طلعت من المخزن وقلبي هيخرج من مكانه. اتصلت بـ “عم محمود”.
قلتله بحدة: “أنا لازم أفهم كل حاجة.. دلوقتي!”
قابلني في كافيه هادي بعيد عن العيون.
قال لي بجدية:
“والدك كان عارف إنهم بيستغلوكي. كان عارف إن طليقك مش بيشتغل زي ما كان بيقول، وإنه استخدم اسمك عشان ياخد قروض ونصب باسمك. وكان عارف إن ولادك.. للأسف.. أبوهم بيحركهم عشان يفضلوكي دايماً محتاجة ومكسورة وتدفعي وبس”.
اتجمدت مكاني.
“وعرف كل ده إزاي؟”
عم محمود شبك إيديه وقال: “لأنه كان بيراقبهم حصرى على موقع ثقف نفسك بقاله سنين عشان يحميكي. حاول يحذرك كتير، بس أنتي..”
قاطعته وأنا بفتكر رنات تليفونه اللي كنت بكنسل عليها من كتر التعب والزعل القديم: “أنا مكنتش برد عليه”.
عم محمود كمل: “هو كان خايف عليكي أكتر مما تتخيلي. وعشان كدة، هو مش بس سابلك فلوس. والدك ساب تعليمات واجبة النفاذ إنك تمسكي إدارة الشركة. أنتي دلوقتي المساهم الأكبر يا هانم”.
راسي كانت بتلف. أنا؟ اللي بمسح مكاتب الناس من الفجر.. أبقى صاحبة شركة بالملايين؟
سألته والدموع في عيني: “ليه أنا؟ ليه واثق فيا كده؟”
ابتسم بحنية وقال:
“لأنه كان عارف إنك الوحيدة فيهم.. اللي عمرها ما هتأذي حد عشان الفلوس”.
الجملة دي دخلت قلبي زي السهم.
رجعت فندق “ويندسور” عشان أخلص موضوع الفاتورة. جيت أدفع، مدير الفندق وقفني بابتسامة:
“يا مدام.. مفيش حاجة عليكي. والدك الله يرحمه كان فاتح حساب ليكي عندنا من سنين، وسايب وصية إن الحساب ده يتفعل في اليوم اللي الدنيا تديق عليكي فيه أوي”.
حسيت بغصة في حلقي.
وفي الليلة دي، وأنا مروحة شقتي الصغيرة، موبايلي رن برسالة من ابني سامي:
“ماما، أنتي فين؟ محتاجين فلوس ضروري عشان حاجزين شاليه وعايزين عربون”.
لأول مرة في حياتي.. مردتش.
وقفت قدام باب بيتي، خدت نفس عميق، ومسحت الرسالة.
وطلبت رقم جديد.. رقم “محامي الشركة”.
كان عندي شركة لازم أستردها.
وحياة لازم أبنيها من جديد على نظافة.
وميراث.. هستخدمه المرة دي مش عشانهم.. عشان نفسي.







