يُقال دائمًا أن طريقة بدايتك لصباحك تحدد نغمة بقية يومك. بالنسبة للعديد من الشباب، الصباح هو سباق مع الزمن؛ استيقاظ متأخر، عجلة للحاق بالجامعة أو العمل، وضغط نفسي لبدء المهام المتراكمة. في خضم هذه الفوضى الصباحية، يتم تجاهل أهم الأجهزة الحيوية في جسم الإنسان، وهي التي تعمل بصمت على مدار الساعة لضمان بقائنا على قيد الحياة: الكليتان.
الكلى ليست مجرد أعضاء لتنقية الدم؛ إنها مصانع كيميائية معقدة تضبط توازن السوائل، تنظم ضغط الدم، تحافظ على مستويات الأملاح والمعادن، وتتخلص من السموم والفضلات الناتجة عن عمليات الأيض. المثير للقلق هو أن أمراض الكلى غالبًا ما تُوصف بأنها “أمراض صامتة”، حيث لا تظهر أعراضها بوضوح إلا بعد فقدان جزء كبير من وظائف الكلى، وقد يكون الأوان قد فات حينها.
للأسف، يتبنى جيل الشباب اليوم نمط حياة سريع الوتيرة يتضمن عادات صباحية تبدو في ظاهرها غير ضارة، أو حتى ضرورية لزيادة الإنتاجية، لكنها في الحقيقة بمثابة ضربات يومية موجهة لصحة هذا العضو الحيوي. في هذا المقال، سنسلط الضوء على ثلاث عادات صباحية خطيرة وشائعة جداً، إذا كنت تمارس إحداها، فقد حان الوقت للتوقف فوراً قبل أن تدفع الثمن غالياً من صحتك.
العادة الأولى: تجاهل شرب الماء وبدء اليوم بالجفاف
بعد ساعات طويلة من النوم (تتراوح بين 6 إلى 8 ساعات)، يستيقظ الجسم وهو في حالة فسيولوجية من “الجفاف النسبي”. خلال النوم، يستمر الجسم في فقدان السوائل عبر التنفس والتعرق، بينما تتوقف عملية الإمداد بالماء تماماً.
لماذا يقع الشباب في هذا الفخ؟ السبب الأكثر شيوعاً هو العجلة والنسيان. يستيقظ الشاب، يقفز من السرير مباشرة إلى الحمام، يرتدي ملابسه، ويخرج مسرعاً. قد لا يشعر بالعطش الشديد فور الاستيقاظ، فيعتقد أن جسمه ليس بحاجة للماء.
كيف يدمر هذا الكلى؟ الكلى تحتاج إلى الماء لتعمل بكفاءة. فكر في كليتيك كفلتر دقيق؛ إذا لم يكن هناك ماء كافٍ لتدفق الدم عبر هذا الفلتر، فإن الفضلات والسموم (مثل اليوريا والكرياتينين) تبدأ في التركيز والتراكم بدلاً من طردها خارج الجسم.
عندما تبدأ يومك دون شرب الماء، فإنك تجبر كليتيك على العمل بجهد مضاعف لتركيز البول والحفاظ على السوائل المتبقية في الجسم. هذا التركيز العالي للأملاح والمعادن في البول هو البيئة المثالية لتكون “حصوات الكلى” المؤلمة.
بمرور الوقت، يؤدي الجفاف المزمن، وخاصة في ساعات الصباح الأولى، إلى إجهاد النيفرونات (الوحدات الوظيفية للكلى)، مما قد يساهم في تدهور وظائفها على المدى الطويل.
الحل الفوري: اجعل شرب كوب كبير من الماء (أو اثنين) هو أول نشاط تقوم به حرفياً بعد فتح عينيك، وقبل تناول أي شيء آخر أو شرب القهوة. ضع زجاجة ماء بجانب سريرك لتكون تذكيراً دائماً.
اقرأ عن : 9 علامات لمشاكل في الكلى تظهر بالقدم
العادة الثانية: تأجيل الذهاب إلى الحمام (حبس البول)
في سيناريو الصباح المزدحم، قد يشعر الشاب بالحاجة للتبول فور الاستيقاظ، لكنه يقرر تأجيل ذلك. “سأذهب بعد الاستحمام”، “سأذهب بعد ارتداء الملابس”، أو الأسوأ “سأذهب عندما أصل للعمل”. هذه الدقائق التي تتحول إلى ساعة أو أكثر من حبس البول هي ممارسة مدمرة للغاية.
لماذا يقع الشباب في هذا الفخ؟ إنه ترتيب الأولويات الخاطئ. يعتقد الكثيرون أن توفير خمس دقائق في الصباح أهم من الاستجابة لنداء الطبيعة. أحياناً يكون السبب هو الكسل، أو الانشغال بتصفح الهاتف فور الاستيقاظ وتجاهل إشارات الجسم.
كيف يدمر هذا الكلى؟ المثانة ليست خزاناً لا نهائي السعة. عندما تمتلئ المثانة بالبول، ترسل إشارات للدماغ بالحاجة للتفريغ. تجاهل هذه الإشارات وحبس البول لفترات طويلة يؤدي إلى عدة مشكلات خطيرة:
-
زيادة الضغط: يؤدي امتلاء المثانة الزائد إلى ارتفاع الضغط داخلها، وهذا الضغط يمكن أن ينتقل عكسياً عبر الحالبين وصولاً إلى الكلى، مما يسبب ضغطاً مباشراً على أنسجة الكلى ويضر بها. في حالات نادرة وشديدة، قد يحدث ما يسمى بـ “الارتجاع المثاني الحالبي”، حيث يعود البول فعلياً نحو الكلى، وهو أمر خطير جداً.
-
بيئة خصبة للبكتيريا: البول يحتوي على فضلات، وبقاؤه لفترة طويلة في المثانة يجعله بيئة مثالية لتكاثر البكتيريا، مما يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية (UTIs). إذا لم تُعالج هذه الالتهابات بسرعة، فقد تصعد البكتيريا إلى الكلى مسببة عدوى كلوية خطيرة (Pyelonephritis) قد تترك ندبات دائمة في نسيج الكلى.
الحل الفوري: استمع لجسدك. عندما تشعر بالحاجة للذهاب للحمام، اذهب فوراً. لا توجد مهمة صباحية أهم من تفريغ مثانتك وحماية جهازك البولي من الضغط والعدوى.
العادة الثالثة: قنبلة الكافيين والسكر على معدة فارغة
بالنسبة لمعظم الشباب، لا يبدأ اليوم إلا بجرعة مركزة من الكافيين. سواء كان ذلك كوباً كبيراً من القهوة السوداء، أو الأسوأ، مشروب طاقة مليء بالسكر والمواد الصناعية، يتم تناولها غالباً كبديل لوجبة الإفطار وكبديل للماء.
لماذا يقع الشباب في هذا الفخ؟ البحث عن الطاقة الفورية. الاعتقاد السائد بأن القهوة هي “الوقود” الذي يحتاجه الدماغ للعمل، أو أن مشروبات الطاقة ستمنحهم النشاط اللازم لبدء يوم شاق.
كيف يدمر هذا الكلى؟ هناك شقان لهذه المشكلة: الكافيين المفرط، والسكر الزائد.
-
الكافيين والجفاف: الكافيين بحد ذاته مادة مدرة للبول (Diuretic). عندما تبدأ يومك وأنت تعاني أصلاً من جفاف نسبي بعد النوم، ثم تتناول مشروباً يزيد من فقدان السوائل، فأنت تفاقم مشكلة الجفاف وتزيد العبء على الكلى. شرب القهوة بدلاً من الماء هو الخطأ الأكبر.
-
السكر ومشروبات الطاقة: مشروبات الطاقة، أو القهوة المحلاة بكميات كبيرة من السكر، تمثل كارثة للكلى. الارتفاع المفاجئ في سكر الدم يجبر الكلى على العمل بجهد هائل لفلترته وإعادة امتصاصه. إذا كانت كمية السكر كبيرة جداً، تبدأ الكلى في تسريبه إلى البول، وهي عملية مجهدة جداً للأنابيب الكلوية.
-
علاوة على ذلك، يرتبط الاستهلاك المفرط للمشروبات السكرية بزيادة خطر الإصابة بالسمنة ومرض السكري من النوع الثاني، وهما السببان الرئيسيان للفشل الكلوي على مستوى العالم.
-
ضغط الدم: الجرعات العالية من الكافيين على معدة فارغة يمكن أن تسبب ارتفاعاً مؤقتاً وحاداً في ضغط الدم، وارتفاع ضغط الدم هو العدو الثاني للكلى بعد السكري.
الحل الفوري: لا تجعل القهوة أول مشروب يدخل جوفك. اشرب الماء أولاً لترطيب جسمك، ثم تناول إفطاراً صحياً، وبعدها يمكنك الاستمتاع بقهوتك باعتدال. تجنب مشروبات الطاقة تماماً في الصباح، فهي ليست بديلاً صحياً بأي حال من الأحوال.
خاتمة: صحتك استثمار طويل الأجل
قد تبدو هذه العادات بسيطة أو جزءاً لا يتجزأ من روتين الحياة العصرية السريع، لكن تأثيرها التراكمي على مر السنوات قد يكون كارثياً. الشباب ليس درعاً يحميك من أمراض الكلى؛ فأسلوب الحياة الذي تتبعه في العشرينيات والثلاثينيات هو الذي يرسم خريطة صحتك في الأربعينيات والخمسينيات.
الكلى عضو صبور، يتحمل الكثير من الإهمال قبل أن يعلن عن انهياره. لا تنتظر حتى تصل لتلك المرحلة. التغيير لا يتطلب مجهوداً خارقاً؛ كوب ماء عند الاستيقاظ، الاستجابة لنداء الحمام، وتأخير كوب القهوة قليلاً، هي خطوات بسيطة لكنها كفيلة بإحداث فارق هائل في حماية كليتيك وضمان عملهما بكفاءة لسنوات طويلة قادمة. ابدأ من صباح الغد، فصحتك تستحق هذا التغيير البسيط.







