إذا ظهرت على أحد هذه العلامات الأربع، فقد يكون يقترب من نهاية حياته.. استعد لما هو قادم
الموت هو الحقيقة الوحيدة المؤكدة في هذه الحياة، ومع ذلك يظل هو الغيب الذي تهابه النفوس. ورغم أن توقيت الرحيل بيد الخالق وحده، إلا أن الجسم البشري والنفس الإنسانية يرسلان إشارات تحذيرية ورسائل وداع صامتة قبل المفارقة النهائية.
فهم هذه العلامات ليس لإثارة الرعب، بل لمنح الأهل والأحبة فرصة للاستعداد، ولتوفير أقصى درجات الراحة للمحتضر، واغتنام اللحظات الأخيرة في التسامح والدعاء والتلقين.
في هذا المقال، سنغوص في رحلة الإنسان الأخيرة، بدءاً من العلامات الأربع الكبرى، مروراً بمراحل سكرات الموت، وصولاً إلى كيفية التعامل مع المحتضر في لحظاته الأخيرة.
أولاً: العلامات الأربع الكبرى.. نذير الرحيل
عندما يقترب الجسم من إطفاء شمعته الأخيرة، تظهر أربع علامات فسيولوجية وعقلية رئيسية تعتبر الأكثر شيوعاً ودلالة على أن الأجل قد يكون خلال أيام أو ساعات قليلة
اقرأ عن : ما تفسير رؤية يوم القيامة في المنام وبعث الموتى
1. تغيرات التنفس (تنفس تشاين-ستوكس)
يعد نمط التنفس من أدق المؤشرات. قد يلاحظ المرافقون أن تنفس المحتضر يصبح غير منتظم بشكل مخيف. تبدأ نوبات من التنفس السريع والعميق، تليها فترات من التوقف التام عن التنفس (قد تصل لثوانٍ أو دقيقة)، ثم شهقة مفاجئة للعودة للتنفس. يرافق ذلك أحياناً ما يعرف بـ “حشرجة الموت”، وهو صوت يصدر من الحلق نتيجة تراكم السوائل واللعاب الذي يعجز المريض عن ابتلاعه لضعف عضلات الحلق. هذا الصوت قد يكون مزعجاً للأهل، لكنه غالباً لا يسبب ألماً للمحتضر.
2. برودة الأطراف وتغير لون الجلد (التبقع)
مع ضعف الدورة الدموية، يركز القلب ضخ الدم إلى الأعضاء الحيوية (الدماغ والقلب والرئتين) وينسحب من الأطراف. ستلاحظ برودة شديدة في اليدين والقدمين، وتغيراً في لون الجلد إلى الأزرق أو الأرجواني الداكن، خاصة في باطن القدمين والركبتين، وهو ما يعرف طبياً بـ “التبقع” (Mottling). هذا يعني أن الدورة الدموية بدأت تتوقف تدريجياً.
3. الهذيان والانفصال عن الواقع (رؤية الراحلين)
من أكثر العلامات غموضاً وتأثيراً. قبل الوفاة بفترة قصيرة، قد يبدو المريض وكأنه يتحدث مع أشخاص غير موجودين في الغرفة، غالباً ما يكونون أقارب رحلوا سابقاً (الأم، الأب، الإخوة). يصف المتخصصون هذا بأنه “هلوسة”، بينما ينظر إليه روحانياً على أنه بداية انكشاف الغطاء. قد يتمتم بكلمات عن “السفر”، أو “الذهاب للبيت”، أو “تجهيز الحقائب”.
4. “صحوة الموت” (النشاط المفاجئ)
هي ظاهرة تحير الكثيرين وتمنحهم أملاً زائفاً. قد يستيقظ المريض الذي كان غائباً عن الوعي لأيام، ويطلب الطعام، ويتحدث بوضوح كامل، ويجلس مع أهله وكأنه تعافى تماماً. هذه الطاقة المفاجئة غالباً ما تكون الدفعة الأخيرة للجسم قبل الانهيار التام، وعادة ما تتبعها الوفاة خلال ساعات أو يوم على الأكثر.
ثانياً: المراحل الست للموت.. التسلسل الزمني للنهاية
اقرأ عن : 30 تفسير غريب عن الموت والمقابر والجنائز في الحلم
يمكن تقسيم عملية الاحتضار إلى ست مراحل تدريجية تعكس انسحاب الحياة من الجسد والروح:
المرحلة الأولى: الانسحاب الاجتماعي (قبل أسابيع)
يبدأ الشخص بفك ارتباطه بالعالم الخارجي. يقل كلامه، ويفقد اهتمامه بالأخبار، والهوايات، وحتى بزيارات الأقارب. يفضل الصمت والنوم لفترات طويلة. هذا ليس اكتئاباً بالضرورة، بل هو تركيز للطاقة المتبقية نحو الداخل استعداداً للرحلة.
المرحلة الثانية: انعدام الشهية (قبل أيام)
يتوقف الجسم عن طلب الغذاء والماء لأنه لم يعد بحاجة لطاقة للبناء أو الحركة. محاولة إجبار المحتضر على الأكل في هذه المرحلة قد تضره أكثر مما تنفعه وتسبب له الغثيان والاختناق. الشفتان تجفان، والجلد يفقد مرونته.
المرحلة الثالثة: فقدان التحكم (قبل ساعات)
تسترخي عضلات الجسم تماماً، مما يؤدي إلى فقدان السيطرة على الإخراج (البول والبراز). كما قد تتوقف الكلى عن العمل، مما يؤدي إلى انحباس البول أو تغير لونه إلى الداكن الشديد (لون الشاي).
المرحلة الرابعة: تغير العلامات الحيوية
ينخفض ضغط الدم بشكل حاد، وتصبح نبضات القلب ضعيفة جداً وسريعة، أو بطيئة جداً وغير منتظمة. ترتفع درجة حرارة الجسم أو تنخفض بشكل غير مبرر نتيجة توقف مركز تنظيم الحرارة في الدماغ.
المرحلة الخامسة: الغيبوبة والعين الزجاجية
يدخل المريض في غيبوبة ولا يستجيب للمؤثرات الخارجية. عند فتح عينيه، قد تجد نظرة ثابتة لا ترمش، أو ما يُعرف بـ “شخوص البصر”، وتفقد العين بريقها وتصبح كأنها مغطاة بطبقة زجاجية، وعادة ما تبقى العين مفتوحة جزئياً.
المرحلة السادسة: توقف القلب والدماغ
وهي لحظة الوفاة السريرية، حيث يتوقف القلب عن النبض تماماً، ويتوقف التنفس، وتتوسع حدقة العين ولا تستجيب للضوء.
ثالثاً: سكرات الموت بالترتيب (من المنظور الإسلامي والواقعي)
“سكرات الموت” هي الشدائد والكربات التي تعتري الإنسان عند نزع الروح. وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم شدتها بقوله: “لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات”. ويمكن ترتيب أحداثها كالتالي:
-
برودة القدمين وصعود الروح: تبدأ الروح بالخروج من الأسفل إلى الأعلى. يشعر المحتضر ببرودة شديدة تبدأ من أطراف أصابع قدميه وتزحف صعوداً إلى الساقين فالركبتين، حتى تعجز قدماه عن حمله.
-
انعقاد اللسان: عندما تصل الروح إلى الحلقوم، يثقل اللسان ويصعب الكلام إلا ما شاء الله. هنا تتوقف القدرة على طلب المساعدة الدنيوية.
-
العطش الشديد: يشعر المحتضر بظمأ لا يرويه ماء الدنيا، نتيجة الجفاف الشديد وحرارة النزع.
-
شخوص البصر: تتبع العين الروح وهي تصعد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الروح إذا قُبض تبعه البصر”. لذا نجد عين الميت مفتوحة وشاخصة للأعلى غالباً.
-
الغرغرة: وهي الصوت المسموع عند وصول الروح إلى الحلق (التراقي)، وهي اللحظة الفاصلة التي يُغلق فيها باب التوبة، قال تعالى: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ}.
رابعاً: الاحتضار وتلقين الميت.. ماذا تفعل؟
هذه اللحظات هي الأصعب على الأهل، ولكنها الأهم للمحتضر. دورك هنا يتحول من “مراقب قلق” إلى “مرشد ومطمئن”. إليك خطوات التعامل الصحيح:
1. التلقين برفق
التلقين هو حث المحتضر على قول “لا إله إلا الله”.
-
كيفيته: لا تقل له “قُل لا إله إلا الله” بصيغة الأمر، فقد يكون في ضيق شديد يمنعه من الكلام فيشعر بالعجز أو الضجر.
-
الأفضل: أن تجلس بجواره وترددها أنت بصوت مسموع وهادئ، ليسمعك ويتذكرها، فإن قالها مرة فلا تكررها عليه إلا إذا تكلم بكلام آخر من كلام الدنيا، ليكون آخر كلامه لا إله إلا الله.
2. ترطيب الفم
بسبب الجفاف الشديد وفتح الفم للتنفس، تجف الشفاه واللسان وتتشقق. استخدم قطعة قماش قطنية مبللة أو قطنة طبية لترطيب الشفاه واللسان بقطرات بسيطة جداً من الماء، دون سكب الماء في حلقه لتجنب الاختناق.
3. الهدوء والذكر
حاسة السمع هي آخر الحواس التي تتوقف. حتى لو بدا المريض في غيبوبة تامة، فهو غالباً يسمع ما يدور حوله. تجنب البكاء والصراخ والنواح بجانبه، فهذا يؤذيه ويقلقه.
بدلاً من ذلك، اقرأ القرآن (خاصة سورة يس كما ورد في بعض الآثار لتخفيف السكرات)، أو ادعُ له بالرحمة والثبات بصوت هادئ.
4. توجيهه للقبلة
يُستحب توجيه المحتضر للقبلة إن تيسر ذلك ولم يكن فيه إزعاج شديد له، بوضعه على جنبه الأيمن ووجهه للقبلة، أو رفعه قليلاً وتوجيه قدميه للقبلة.
خاتمة: الاستعداد لما هو قادم
إن معرفة علامات اقتراب الأجل ليست دعوة للتشاؤم، بل هي رحمة من الله لندرك قيمة اللحظات الأخيرة. إذا رأيت هذه العلامات الست، أو العلامات الأربع الكبرى على عزيز لديك:
-
سامحه واطلب منه السماح: طهر قلبه وقلبك.
-
لا تتركه وحيداً: وجود يد تمسك بيده يشعره بالأمان في رحلته الموحشة.
-
استعد للوداع: هيئ نفسك نفسياً، ورتب الأمور الشرعية والإدارية بهدوء.
الموت ليس فناءً محضاً، بل هو انتقال من دارٍ ضيقة إلى دارٍ أوسع. ومراقبة هذه العلامات بعين اليقين والرضا بقضاء الله، مع اللسان الذي يلهج بالدعاء، هو خير ما يمكن أن تقدمه لراحل يخطو خطواته الأخيرة نحو العالم الآخر. اللهم أحسن خاتمتنا جميعاً وهون علينا سكرات الموت.







