
اللي بعده كان “حازم” أخويا. رد وهو سايق عربيته، وصوت الأغاني عالي ورايق.
الجزء الثاني والأخير
الجرس رن بعد تلات ساعات ونص بالظبط. فتحت الباب، كانت هناء واقفة قدامي. وشها مرهق من السفر، لابسة عباية بسيطة وشنطة يد قديمة، بس عينيها كانت مليانة قلق حقيقي.. قلق مشفتهوش في عين حد من سنين.
من غير “إزيك” ولا مجاملات، رمت الشنطة من إيدها وحضنتني جامد. حضن دافي، ريحته أمان، فكرني بأيام ما كنا بننام في أوضة واحدة وإحنا صغيرين. جسمي اللي كنت فاكراه حديد، ساب خالص بين إيديها، ولقيت نفسي بعيط بحرقة.. عياط مكتوم بقاله أسابيع.
بعد ما هديت شوية، قعدنا في الصالون “الشيك” بتاعي، اللي فجأة حسيته بارد وغريب عليا. هناء فتحت شنطتها وطلعت ظرف أصفر، وحطته على الترابيزة قدامي. إيديها كانت بتترعش وهي بتقول:
“دول الـ 15 ألف يا سلمى.. والله لو كان معايا أكتر مكنتش اتأخرت. قوليلي يا حبيبتي، إيه المشكلة؟ ديون؟ شيكات؟ متخافيش، هنحلها سوا”.
بصيت للظرف، وبعدين بصيت لعينين أختي الصادقة. الفلوس دي هي كل اللي حوشته في سنين شقاها، ومع ذلك، جابتهولي من غير تفكير، من غير أسئلة عن فوايد ولا ضمانات. في اللحظة دي، حسيت إني أغنى واحدة في الدنيا، وحسيت كمان إني أصغر واحدة في الدنيا.
زقيت الظرف ناحيتها تاني، ومسكت إيدها الخشنة من شغل البيت، وقلتلها وصوتي مبحوح:
“أنا مش محتاجة فلوس يا هناء.. أنا معايا فلوس تغطيني وتفيض”.
بصتلي باستغراب: “أمال إيه؟ بتختبريني؟”.
هزيت راسي بالنفي، ودمعة جديدة نزلت: “لأ.. أنا كنت محتاجة أعرف مين عيلتي بجد قبل ما أدخل أوضة العمليات. أنا عندي ورم يا هناء.. والعملية كبيرة ومحتاجة وقت وعلاج طويل”.
اللون هرب من وش هناء. مادتنيش نصايح طبية، مقالتش “روحي لدكتور تاني”، مابدأتش تتكلم عن التكاليف. كل اللي عملته إنها قامت من مكانها، قعدت جنبي على الكنبة، وخدتني في حضنها تاني وفضلت تعيط معايا بصوت واطي. قالتلي جملة واحدة بس، كانت أهم من كل فلوس الدنيا: “أنا هنا يا سلمى.. أنا مش هسيبك.. إحنا هنعدي ده سوا”.
في الأسابيع اللي بعدها، هناء سابت بيتها وعيالها مع حماتها، وجت قعدت معايا. كانت معايا في كل جلسة كيماوي، وفي كل لحظة ألم. كانت بتطبخ، وتنضف، وتمسح دموعي لما بضعف، وتضحكني لما بحتاج أضحك.
بابا وماما وحازم كانوا بيتصلوا.. مكالمات قصيرة، رسمية. “عاملة إيه يا دكتورة؟ شدي حيلك.. إن شاء الله بسيطة”. كانوا بييجوا زيارات خطف، يقعدوا ربع ساعة متوترين، يبصوا في الساعة، ويمشوا بحجة الزحمة أو الشغل. كانوا بيتعاملوا مع مرضي كأنه “إحراج” اجتماعي، مش محنة بنتهم بتمر بيها. حازم مرة قالي وهو خارج: “يعني أنتي يا دكتورة اللي بتعالجي الناس، يجيلك أنتي المرض ده؟ مش عارف أقول للناس إيه في النادي”.
يوم قبل العملية الكبيرة بيومين، كنت قاعدة في سريري، وهنا نايمة على الكرسي جنبي من التعب. طلبت المحامي بتاعي يجيلي البيت.
المحامي جاب معاه الأوراق اللي طلبتها. بصيت للسطور المكتوبة.. وصيتي.
كل حاجة اتغيرت فيها. شطبت الأسماء اللي كانت مجرد “فرض” عليا بحكم الدم، وكتبت الاسم الوحيد اللي استحق يبقى موجود بحكم “القلب والمواقف”.
العيادة بأجهزتها، الشقة الشيك في الحي الراقي، حساباتي في البنك، وعربية الـ BMW اللي حازم كان هيموت عليها.. كل ده اتكتب باسم “هناء”.
كتبت لبابا وماما مبلغ شهري يضمنلهم حياة كريمة عشان ميزعلوش، وكتبت لحازم رسالة قصيرة مع مبلغ رمزي: “عشان متبقاش محتاج سلفة من حد وتفتكره بيهزر”.
لما المحامي مشي، حسيت براحة غريبة. الورم اللي في جسمي الدكاترة هيشيلوه، بس الورم الحقيقي اللي كان في حياتي، ورم العلاقات المزيفة، أنا استأصلته بإيدي النهارده.
دخلت أوضة العمليات وأنا ماسكة إيد هناء لحد باب التعقيم. كنت خايفة من المشرط، بس مكنتش خايفة من الوحدة. عرفت إن “العيلة” مش هي الناس اللي ليهم نفس اسمك في البطاقة.. العيلة هما الناس اللي بيظهروا لما النور يقطع، ولما القوة تروح، ولما “الدكتورة الكبيرة” ترجع تاني مجرد إنسانة ضعيفة محتاجة طبطبة.
هناء كانت هي وصيتي الحقيقية، وهي ورثي اللي طلعت بيه من الدنيا دي.







