“كل سنة وانت طيب”.. قالتها ببرود وهي بتبص بعيد.. “إحنا مودينك دار مسنين”

“كل سنة وانت طيب”.. قالتها ببرود وهي بتبص بعيد.. “إحنا مودينك دار مسنين”. ما
ردتش عليها.
ولا كنت محتاج أرد. المسكينة مكنتش تعرف إنها بتسلمني مفاتيح المكان اللي أنا أصلاً بملكه.
“مش هتبقى عالة على حد هناك”.. كملت “سلوى” كلامها وهي بترسم ابتسامة صفرا وبترجع مفاتيح العربية لإيدي.. “راجل سنك كبر يا بابا.. ووجودك في البيت بقى بيضايق ومسوي زحمة”.
فضلت ساكت. اتعلمت من زمان إن الصمت ممكن يكون أقوى وأتقل من أي كلام أو خناق.
تميت ٦٤ يوم السبت اللي فات. ومن يوم ما مراتي الله يرحمها ماتت من خمس سنين، وأنا عايش بكبسة على نفسي.. خليط صامت من الحزن والوحدة مبيفارقنيش. بس الصبح ده، كان عندي أمل بسيط.
“سلوى” بنتي الوحيدة كانت وعدتني إننا نفطر سوا بره. في المكان اللي بحبه. لبست وتشيّكت: الجاكت الرمادي، القميص المكوي، وشوية برفان. وأنا بقفل زراير البالطو، إيدي لمست الجيب الداخلي بحكم العادة.. كان فيه حاجة مهمة هناك. حاجة هي ما تعرفش عنها أي حاجة.
الطريق بدأ بسكوت تام.
هي باصة قدامها ومكشرة والفكين مضمومين على بعض. الشوارع بتجري جنبنا من الشباك. عدينا المطعم اللي بحب أكل فيه “فطير مشلتت”.. عديناه. وبعدين عدينا الكافيه التاني اللي قالت عليه.. والتالت. ومع كل لفة بنفوتها، كانت بتمسك في جيب جاكيتها بتوتر.
ساعتها بس فهمت.
إحنا مش رايحين نفطر.
إحنا رايحين عشان تخلص مني.
المشوار خد بتاع تلت ساعة. لما وصلنا لمنطقة هادية وراقية في أطراف القاهرة، حسيت إني عارف المكان ده كويس. أنا عارف الطريق ده. من سنين طويلة، أنا بنيت حاجة عظيمة هنا. حاجة صلبة. حاجة هي عمرها ما قدرتها.. حاجة دلوقت هتستقبلني وكأني غريب.
وقفت “سلوى” قدام بوابة حديد بيضا عليها يافطة دهبي مكتوب عليها:
قلبي اتخطف.. مش من الخوف، بس من سخرية القدر.
أنا عارف الاسم ده أكتر من أي حد عايش على وش الأرض.
الوحيدة اللي ما تعرفش هي بنتي.
نزلت من العربية بسرعة، فتحت الشنطة وطلعت شنطتين هدوم أنا أصلاً ما جهزتهمش. رمتهم على الرصيف من غير أي اهتمام ولفت ليا. مكنش فيه في عينيها أي حزن.. بس استعجال وقلة صبر.
“يا بابا، أنا كلمت المدير. كل حاجة تمام. هياخدوا بالهم منك كويس قوي.”
قالتها وكأنها بتخلص بيعة وتمشي.
هزيت راسي وما نطقتش. إيدي ارتعشت لحظة قبل ما أداريها في جيبي.
“سلوى” مالت عليا وحضنتني حضن بارد وسريع وفاضي.

“كل سنة وانت طيب.. مش هتبقى تقيل على حد هنا. انت كبرت يا بابا، وبقيت واخد مساحة زيادة عن اللزوم.”

قالتها بصوت واطي وحنين.. وده اللي وجعني وخلاها أسوأ.
جوايا، الصورة وضحت تماماً.
بقالي سنين شقيان عشان مستقبلها. بنيت شركات من الصفر. اسمي محطوط على عقود عماير، وأراضي.. ودور مسنين زي الدار دي. ودلوقتي بنتي بترمينى في واحد منهم، وهي مش دريانة إن المكان ده أصلاً ملكي.
وطيت وشيلت الشنط.. واحدة في كل إيد. كانوا تقال.. بس مش أتقل من السكوت اللي بينا.
“المدير مستنيك جوه.. مع السلامة يا بابا.”
ركبت عربيتها ومشيت من غير ما تبص وراها حتى بصة وداع.
فضلت باصص عليها لحد ما اختفت ورا الملف.
شمس الضهر كانت حامية على وشي تابع المزيد من القصص على موقع ثقف نفسك ، بس جوايا كان فيه برد بيسري في عضمي. زقيت البوابة ودخلت.. الباب زيق بخفة وكأنه بيرحب بيا. ممر حجري طويل بيوصل للمدخل، وحواليه أحواض زرع صغيرة مليانة ورد “جهنمية” موف.. نفس الورد اللي مراتي الله يرحمها كانت بتعشقه وبتزرعه بإيديها.
ريقي نشف.. كملت مشي.
جنب المدخل، يافطة نحاس بتلمع خطفت عيني:
“دار الصفوة – تأسست ١٩٩٤ – مجموعة الشاذلي العقارية”.
ابتسمت غصب عني.

الشاذلي.

اسمي.

تعب عمري وميراثي.

ضربت الجرس. ممرضة شابة فتحت الباب بابتسامة مؤدبة.

“مساء الخير. حضرتك الحاج الشاذلي؟”

“أيوه..” رديت بهدوء وثقة. “حسين الشاذلي”.

دخلتني للريسبشن. المدير كان قاعد.. راجل في الخمسينات، بشنب رفيع وعينيه مليانة قلة صبر.. بصلي النظرة المعتادة اللي بيبصولها للرجالة اللي المجتمع شايف إن خلاص راحت عليهم.

مجرد راجل عجوز كمان جاي يترمي هنا.

مكنش عنده أي فكرة مين اللي واقف قدامه.

ولا بنتي كمان كان عندها فكرة.

الفصل الثاني: المالك المجهول

المدير، اللي عرفت بعدين إن اسمه “أستاذ رأفت”، بصلي بقرف وقال وهو بيشاور للممرضة:

“خدي بيانات الحاج، وخليه يمضي على إقرار الدخول.. ولو مش بيعرف يمضي، يبصم.”

بصيت له ببرود، ومشيت خطوتين ناحية مكتبه. الممرضة حاولت تمسك دراعي بلطف عشان توجهني، بس أنا سحبت دراعي بهدوء وكملت طريقي لحد ما بقيت قدام مكتب “رأفت” مباشرة.

حطيت الشنط على الأرض بصوت مكتوم، تابع المزيد من القصص على موقع ثقف نفسك ومديت إيدي في الجيب الداخلي للجاكت.. المكان اللي سلوى افتكرت إنه مجرد جيب لراجل عجوز بيشيل فيه مناديل. طلعت “كارت” شخصي دهبي محفور، وحطيته قدامه على المكتب بهدوء.

“مش محتاج أبصم يا أستاذ رأفت.. أنا توقيعي موجود على عقد تعيينك من عشر سنين.”

رأفت بصل للكارت باستهتار في الأول، بس فجأة عينيه وسعت، وشفايفه ابيضت. مسك الكارت وإيده بتترعش.. قرأ الاسم: “حسين الشاذلي – رئيس مجلس إدارة مجموعة الشاذلي القابضة”.

رفع عينه فيا، ورجع بص للكارت، ورجع بصلي تاني. العرق بدأ يتجمع على جبهته.

“حـ.. حسين بيه؟ حضرتك.. حضرتك صاحب المجموعة؟ بس.. بس بنتك الهانم قالت..”

قاطعته بصوت حازم، صوت “الباشا” اللي كان مدفون تحت تراب الحزن بقاله سنين:

“بنتي فاكرة إنها رمتني في مخزن خردة.. متعرفش إنها رجعت الأسد لعرينه. اسمعني كويس يا رأفت.”

رأفت قام وقف بسرعة لدرجة إن كرسيه وقع وراه: “أؤمرني يا باشا.. رقبتي سدادة.”

“مخلوق ما يعرف إني هنا.. ولا حتى مجلس الإدارة. أنا هنا نزيل عادي، اسمي الحاج حسين وبس. عايز أشوف الدار دي بتدار إزاي من غير زواق ولا تجميل. وأي تقصير هشوفه، اعتبر نفسك مرفود انت وطاقم التمريض كله.. مفهوم؟”

“مفهوم يا باشا.. مفهوم طبعاً.”

الفصل الثالث: اللعبة

مر أسبوع.

كنت عايش وسط الناس.. تابع المزيد من القصص على موقع ثقف نفسك شفت قصص توجع القلب. ناس ولادهم رموه بجد، وناس الدنيا جت عليهم. بس كمان شفت إهمال في الأكل، وتأخير في الدوا. كل ده كنت بسجله في نوتة صغيرة معايا. وفي نفس الوقت، كنت بتواصل مع “مجدي”، المحامي بتاعي وصديق عمري، من تليفون المكتب لما المدير يخرج.

“مجدي.. جمدت كل الحسابات؟”

“عيب عليك يا حسين.. البنك المركزي نفسه ميعرفش يصرف مليم لـ سلوى من غير توقيعك الحي. هي فاكرة التوكيل العام لسه ساري، بس أنا لغيته الصبح زي ما أمرت.”

“حلو.. هي هتعمل إيه دلوقتي؟”

“هتجيلك.. سلوى اشترت شاليه في الساحل بشيكات آجلة، ومحتاجة سيولة فوراً. هتجيلك عشان تمضيلها على بيع الفيلا الكبيرة.”

ضحكت بمرارة. “خليها تيجي.. أنا مستنيها.”

الفصل الثالث: المواجهة

يوم التلات، وعربية “سلوى” الفارهة دخلت من البوابة. كنت قاعد في الجنينة، تحت شجرة التوت، لابس بيجامة عادية وشكلي “مكسور” زي ما هي متخيلة.

نزلت من العربية ومعاها راجل لابس بدلة (موظف الشهر العقاري) وواحد تاني شكله سمسار. مشيت ناحيتي بخطوات سريعة، مفيش حتى “ازيك يا بابا”.

“بابا.. كويس إنك صاحي. امضيلي هنا بسرعة.”

رمت الورق في حضني.

بصيت للورق. عقد بيع فيلتي.. بيتي اللي فيه ريحة أمها.. بسعر تراب الفلوس عشان تسد ديونها.

رفعت راسي ليها، وعملت نفسي مش فاهم: “ده إيه يا بنتي؟ أنا مش معايا نضارتي.”

نفخت بضيق: “يا بابا مش وقته.. دي أوراق عشان التامين بتاعك هنا في الدار.. عشان يخدموك أحسن. امضي وخلصنا.”

بصيت للسمسار وللموظف، وبعدين بصيتلها.

“يعني انتي جاية تبيعيني الوهم يا سلوى؟ حتى وانتي بترمي أبوكي، بتكدبي عليه؟”

وشها احمر: “انت بتخرف تقول إيه؟ اخلص امضي وإلا..”

“وإلا إيه؟”

في اللحظة دي، “رأفت” المدير خرج من مكتبه ومعاه اتنين أمن، ووراهم “مجدي” المحامي بتاعي.

سلوى استغربت: “أونكل مجدي؟ انت بتعمل إيه هنا؟”

مجدي عدل نضارته وبص لها بشفقة: “أنا هنا عشان موكلي يا سلوى هانم.”

“موكلك مين؟ بابا خرف خلاص وأنا الوصية عليه!”

هنا قمت وقفت.

مش وقفة العجوز المكسور.. وقفتي المستقيمة بتاعة زمان. رميت الورق في وشها، وتطاير في الهوا زي ورق الشجر الميت.

“أنا مش بس كامل الأهلية يا سلوى.. أنا المالك لكل طوبة انتي واقفة عليها دلوقتي.”

سلوى ضحكت بتوتر: “مالك إيه؟ انت اتجننت؟ دي دار مسنين!”

شاور “رأفت” بإيده على اللوحة النحاس اللي ورايا، اللي كانت متلمعة جديد الصبح بأمري.

“مجموعة الشاذلي العقارية – المالك: حسين الشاذلي”

سلوى بصت للوحة، وبصتلي، وعينيها وسعت من الصدمة. “مستحيل.. انت قلت إنك بعت المجموعة دي من سنين!”

“قلت كده عشان أشوف هتعملي إيه تابع المزيد من القصص على موقع ثقف نفسك بفلوسي اللي تحت إيدك.. وأثبتيلي إنك فاشلة، وجاحدة.”

 

النهاية: الدرس الأخير

قربت منها، ووشي كان خالي من أي تعبير غير الحزم.

“اسمعي يا سلوى. من اللحظة دي، عربيتك، شقتك، والفيزا كارت اللي في شنطتك.. كلهم وقفوا. أنا لغيت كل التوكيلات، وحجزت على كل مليم اديتهولك.”

صرخت بهستيريا: “انت بتعمل فيا كده ليه؟ أنا بنتك!”

"Happy birthday," she said coldly, looking away. "We're sending you to a nursing home."
“Happy birthday,” she said coldly, looking away. “We’re sending you to a nursing home.”

“عشان انتي بنتي، لازم أربيكي من أول وجديد.. مادام معرفتش أربيكي وانتي صغيرة. انتي دلوقتي عندك ٤٠ سنة، ومعاكيش ولا مليم، ولا بيت، ولا شغل. ابدأي من الصفر زي ما أبوكي بدأ.. وريني شطارتك.”

بصيت للأمن: “خرجوا الهانم بره.. وممنوع تدخل هنا تاني إلا بميعاد مسبق زي أي غريب.”

سلوى كانت بتصرخ وهما بيطلعوها بره، والسمسار والموظف هربوا من الموقف.

رجعت قعدت على الكرسي بتاعي في الجنينة.

“رأفت” قرب مني بخوف: “تؤمر بحاجة يا باشا؟ تحب ترجع الفيلا؟”

اخدت نفس عميق، ومليت صدري بريحة الزرع والهوا النضيف. لأول مرة من سنين، الضغطة اللي على صدري اختفت. حسيت إني حر.

“لا يا رأفت.. جهزلي الجناح الرئاسي في الدور الأخير. أنا هعيش هنا.”

بصيت لزهرة الجهنمية الموف اللي مراتي كانت بتحبها، وابتسمت بسلام حقيقي.

“أنا هنا وسط ناس محتاجاني، وفي ملكي، وبعيد عن نفاق العالم.. هنا، أنا لقيت بيتي الحقيقي.”

وغمضت عيني، وأنا سامع صوت العصافير بيغطي على صوت عربية بنتي وهي بتبعد.. للأبد.

اترك ردّاً