التهاب الشفة الزاوي (Angular cheilitis) هو التهاب مؤلم في زاويتي الفم. يسبب تشققاً، واحمراراً، وأحياناً تقرحات في المكان الذي تلتقي فيه الشفة العليا بالشفة السفلى. يخلط الكثير من الناس بينه وبين جفاف الشفاه البسيط، ولكن من الناحية الطبية غالباً ما يكون سببه عدوى، أو تهيج، أو نقص غذائي.
يمكن أن يصيب الأطفال، والبالغين، وكبار السن – وخاصة الأشخاص الذين يسيل لعابهم أثناء النوم، أو يرتدون أطقم أسنان، أو لديهم ضعف في المناعة.
كيف يبدو التهاب الشفة الزاوي؟ ← جلد أحمر ومتشقق في إحدى زاويتي الفم أو كلتيهما. ← شقوق أو تقرحات مؤلمة. ← تورم أو تكون قشرة. ← شعور بالحرقان أو الحكة. ← أحياناً وجود إفرازات صفراء.
ما هو “التهاب الشفة الزاوي” بالضبط؟
قبل أن نتحدث عن الأسباب، دعونا نصف هذه الحالة بدقة. التهاب الشفة الزاوي هو حالة التهابية تصيب زوايا الفم (المنطقة التي تلتقي فيها الشفة العليا بالسفلى). تظهر هذه الحالة على شكل احمرار، تورم، تشققات مؤلمة، وأحياناً تقرحات قد تنزف عند فتح الفم بشكل واسع للتحدث أو تناول الطعام. في بعض الحالات، قد تتكون قشرة صفراء فوق هذه الشقوق.
المشكلة الأساسية في هذه المنطقة هي أنها “مصيدة للرطوبة”. عندما يتجمع اللعاب في زوايا الفم، فإنه يخلق بيئة رطبة ودافئة، وهي البيئة المثالية لنمو الميكروبات، سواء كانت فطريات أو بكتيريا. هذا التحول من مجرد جفاف إلى عدوى هو ما يجعل الحالة مؤلمة ومستمرة.
لماذا يجب أن “تنتبه”؟ الأسباب الخفية وراء العلامة الظاهرة
هنا يكمن جوهر الأمر. لماذا يصر الأطباء والخبراء على ضرورة الانتباه لهذه العلامة؟ لأنها نادراً ما تكون مشكلة معزولة. إليك الأسباب الرئيسية التي قد تختبئ خلف هذه التشققات:
1. نقص التغذية: جسدك يطلب الوقود الصحيح أحد أكثر الأسباب شيوعاً، والذي غالباً ما يتم إغفاله، هو نقص الفيتامينات والمعادن الأساسية. الجلد، وخاصة الجلد الرقيق حول الفم، يحتاج إلى مغذيات محددة ليحافظ على مرونته وصحته.
اقرأ عن : ٩ من أقوى وصفات علاج تورم الشفاه في ربع ساعة فقط
-
فيتامينات المجموعة ب (B-Complex): وتحديداً الريبوفلافين (B2)، النياسين (B3)، البيريدوكسين (B6)، والكوبالامين (B12). هذه الفيتامينات تلعب دوراً حيوياً في صحة الجلد والأغشية المخاطية. نقصها يؤدي إلى ضعف الأنسجة وسهولة تشققها.
-
الحديد: فقر الدم الناتج عن نقص الحديد لا يسبب الشحوب والتعب فقط، بل يؤثر بشكل مباشر على صحة أنسجة الفم، مما يجعل زوايا الفم عرضة للالتهاب.
-
الزنك: عنصر أساسي لالتئام الجروح وصحة الجلد والمناعة. نقصه يبطئ عملية شفاء التشققات البسيطة، مما يحولها إلى التهابات مزمنة.
إذا كنت تعاني من هذه العلامة بشكل متكرر، فقد يكون الوقت قد حان لإجراء تحليل دم شامل للتحقق من مستويات هذه العناصر.
2. العدوى الميكروبية: الانتهازيون في الظل كما ذكرنا، الرطوبة المتراكمة هي العدو الأول. هذه الرطوبة تسمح بنمو نوعين رئيسيين من الميكروبات:
-
الفطريات (المبيضات – Candida): وهي السبب الأكثر شيوعاً. تعيش هذه الفطريات بشكل طبيعي في الفم، ولكن عندما تتوفر لها الظروف المناسبة (رطوبة زائدة، ضعف مناعة، أو بعد استخدام المضادات الحيوية)، تتكاثر بشكل مفرط مسببة الالتهاب.
-
البكتيريا: خاصة “المكورات العنقودية الذهبية” (Staphylococcus aureus)، والتي يمكن أن تصيب الشقوق المفتوحة وتزيد الحالة سوءاً.
3. العادات والسلوكيات الخاطئة أحياناً، نكون نحن السبب في تفاقم المشكلة دون أن ندري:
-
لعق الشفاه المستمر: قد يبدو لعق الشفاه حلاً سريعاً للجفاف، لكنه في الحقيقة أسوأ ما يمكنك فعله. اللعاب يتبخر بسرعة تاركاً الشفاه أكثر جفافاً، كما أنه يحتوي على إنزيمات هضمية قد تهيج الجلد الرقيق في الزوايا.
-
سيلان اللعاب أثناء النوم: الأشخاص الذين ينامون وفمهم مفتوح أو يعانون من مشاكل في سيلان اللعاب يكونون أكثر عرضة لتجمع الرطوبة في زوايا الفم ليلاً.
4. مشاكل الأسنان وأطقم الأسنان تلعب بنية الفم دوراً كبيراً.
-
أطقم الأسنان غير الملائمة: لدى كبار السن، إذا كان طقم الأسنان لا يتناسب بشكل صحيح مع اللثة، فقد يؤدي ذلك إلى تغيير في إطباق الفم، مما يسبب طيات جلدية عميقة في الزوايا تتجمع فيها الرطوبة. وتعرف هذه الحالة أحياناً بـ “التهاب الفم المرتبط بطقم الأسنان”.
-
فقدان الأسنان الخلفية: يؤدي إلى انخفاض ارتفاع الوجه وتعمق زوايا الفم.
5. الحالات الصحية الكامنة أخيراً، قد تكون هذه العلامة جرس إنذار لأمراض جهازية أوسع:
-
مرض السكري: ارتفاع مستويات السكر في الدم واللعاب يوفر “وليمة” للفطريات، مما يسهل نموها. كما أن مرضى السكري قد يعانون من بطء في التئام الجروح.
-
ضعف الجهاز المناعي: سواء بسبب أمراض مثل نقص المناعة، أو نتيجة علاجات معينة مثل العلاج الكيماوي، فإن ضعف المناعة يجعل الجسم أقل قدرة على مقاومة العدوى البسيطة في زوايا الفم.
متى يجب عليك استشارة الطبيب؟
إن تطبيق مرطب شفاه جيد قد يحل مشكلة جفاف بسيطة، لكن إذا استمرت الحالة، فيجب عليك التصرف. “ثقف نفسك” يعني أيضاً معرفة متى تحتاج إلى مساعدة متخصصة. استشر طبيباً (طبيب جلدية أو طبيب أسنان) في الحالات التالية:
-
إذا لم تتحسن الحالة بعد أسبوع من العناية المنزلية الجيدة وترطيب المنطقة.
-
إذا كانت التشققات مؤلمة جداً وتعيق الأكل أو الكلام.
-
إذا كانت الحالة تتكرر باستمرار على فترات متقاربة.
-
إذا كان هناك نزيف مستمر أو إفرازات قيحية.
سيقوم الطبيب غالباً بفحص المنطقة، وقد يأخذ مسحة (Swab) من زاوية الفم لتحديد نوع الميكروب المسبب (فطري أم بكتيري)، وقد يطلب تحاليل دم للتحقق من نقص الفيتامينات أو وجود سكري.
العلاج والوقاية: نهج متكامل
علاج التهاب الشفة الزاوي يعتمد كلياً على السبب الجذري. لا يوجد “مرهم سحري” واحد يناسب الجميع.
العلاجات الطبية:
-
مضادات الفطريات: إذا كان السبب فطريات الكانديدا، سيصف الطبيب كريماً مضاداً للفطريات (مثل الكلوتريمازول أو الميكونازول) يوضع موضعياً.
-
المضادات الحيوية الموضعية: إذا كانت هناك عدوى بكتيرية ثانوية، قد يلزم استخدام مرهم مضاد حيوي (مثل الفيوسيدين).
-
الكريمات الستيرويدية الخفيفة: قد تستخدم لفترة قصيرة جداً لتقليل الالتهاب والاحمرار الشديد، وغالباً ما تُمزج مع مضادات الفطريات.
-
المكملات الغذائية: إذا أظهرت التحاليل نقصاً في الحديد أو فيتامينات B أو الزنك، فإن تناول المكملات المناسبة هو حجر الزاوية في العلاج ومنع التكرار.
العناية المنزلية والوقاية:
-
توقف عن لعق شفتيك: هذه هي القاعدة الذهبية. اكسر هذه العادة فوراً.
-
استخدم حاجزاً واقياً: استخدم بلسماً للشفاه غير معطر أو الفازلين الطبي (Petroleum Jelly) بشكل متكرر لعمل طبقة عازلة تمنع وصول اللعاب إلى الجلد المتهيج وتحبس الرطوبة الداخلية.
-
حافظ على الجفاف: حاول الحفاظ على زوايا الفم جافة. إذا كنت تعاني من سيلان اللعاب، امسح المنطقة برفق بمنديل نظيف.
-
التغذية السليمة: احرص على نظام غذائي غني بالخضروات الورقية، اللحوم الحمراء (للحديد)، البقوليات، والمكسرات لضمان حصولك على كفايتك من الفيتامينات والمعادن.
-
العناية بأطقم الأسنان: إذا كنت ترتدي طقم أسنان، تأكد من تنظيفه يومياً ونقعه في محاليل مطهرة لقتل الفطريات، وراجع طبيب الأسنان للتأكد من ملاءمته لفمك.
اقرأ عن : أفضل أنواع مرهم التهاب الشفاه تعالجها بسرعة وتمنع الفطريات
خاتمة: استمع لجسدك
الرسالة التي تحملها الصورة واضحة: “انتبه”. تلك التشققات الصغيرة في زاوية فمك ليست مجرد إزعاج جمالي، بل هي رسالة مشفرة من جسدك تخبرك بأن شيئاً ما ليس على ما يرام. قد تكون رسالة بسيطة تقول “أنا أحتاج لبعض فيتامين B”، أو رسالة أكثر تعقيداً تحذر من بداية مرض السكري أو ضعف المناعة.
التثقيف الصحي لا يعني أن تكون طبيباً، بل يعني أن تكون مراقباً جيداً لجسدك، وأن تعرف متى تتجاهل عرضاً بسيطاً ومتى تتعامل معه بجدية. في المرة القادمة التي ترى فيها هذه العلامة الفموية، لا تكتفِ بإخفائها، بل ابحث عن سببها. صحتك تستحق هذا الانتباه.







