قصة أمي اختارت يوم عيد ميلادي عشان تصفّي حساباتها معايا

أمي اختارت يوم عيد ميلادي عشان تصفّي حساباتها معايا. مش بتورتة ولا حفلة مفاجأة، لأ.. برسالة. كنت بمسح الرخامة في الكافيه في نص “شيفت” طويل لما موبايلي زن: “إحنا بعنا عربيتك. العيلة أهم من أي حاجة. واحمدي ربنا إننا سايبينك عايشة معانا أصلاً”.

بس كدة. لا “كل سنة وانتي طيبة”، ولا إيموجي.. مجرد رسالة بتبلغني إن استقلالي كله ضاع في لحظة.

أنا “مريم”، عندي 22 سنة. والعربية دي كانت الحاجة الوحيدة اللي اشتغلت عشانها سنتين، صحيان بدري وسهر وتعب عشان أشتريها. إيديا كانت لسه ملزقة من الشربات اللي وقع مني لما الرسالة التانية وصلت: “أخوكي هيدخل جامعة خاصة. انتي اللي هتدفعي مصاريف الترم الأول. 100 ألف جنيه.. ومطلوبين الأسبوع ده”.

حسسوني إني ماكينة ATM فيها نبض. بصيت للشاشة وصدري بيغلي، وكتبت كلمة واحدة: “لأ”.

ثانية واحدة وموبايلي رن. رديت وسمعت زعيق: “لمي هدومك.. انتي ميتة بالنسبة لنا. ملكيش حق تقولي لأ بعد كل اللي عملناه عشانك”. الخط قطع، وللحظة، دوشة الكافيه كلها اختفت من ودني. في يوم عيد ميلادي، عربيتي راحت، وفلوسي اتصرفت في خيالهم، والظاهر إني بقيت في نظرهم “ميتة” عشان تجرأت واعترضت.

لما الشفت خلص، مكنش فيه عربية مستنياني.. مجرد أسفلت فاضي وإدراك إنهم نفذوا تهديدهم بجد. مشيت لحد البيت وأنا بفتكر كل مرة صلحتلهم فيها الراوتر، وعملتلهم حساباتهم أونلاين، ودفعت حاجة “المرة دي بس”. لو أنا كنت سهلة الكسر والرمي بالنسبة لهم كده، يبقى كل الخدمات الصغيرة اللي كنت ممشية بيها حياتهم كمان سهلة الرمي.

دخلت البيت ده للمرة الأخيرة بصفتي “الدعم الفني” و”بنك الطوارئ” بتاعهم. وخرجت بشنطتين وقرار واحد. قررت إني مش بس هسيب أوضتي ورايا. أنا سيبت “حاجة” شغالة في البيت هما مش هياخدوا بالهم منها الليلة دي، بس لما يصحوا الصبح.. وأمي بتعيط، وأخويا بيصرخ، وبابا ساكت خالص.. هنا بتبدأ القصة الحقيقية.

أمي اختارت يوم عيد ميلادي عشان تصفّي حساباتها معايا
أمي اختارت يوم عيد ميلادي عشان تصفّي حساباتها معايا

لما دخلت من الباب، سألت رغم إني عارفة الإجابة: “انتوا بجد بعتوا عربيتي؟” أمي كانت في المطبخ بتقلب في موبايلها ببرود: “عملنا اللي كان لازم يتعمل. العيلة أولاً. مستقبل أخوكي أهم من رفاهيتك الصغيرة”.

“رفاهيتي؟” شقا سنتين في كافيه دوشة وحر عشان أجيب عربية، سموها رفاهية عشان مش ماشية مع خططهم. “انتي مدفعتيش فيها مليم،” قولت وصوتي بيترعش، “أنا اللي دفعت كل جنيه”.

بابا طلع من الصالة وقال بزعيق: “انتي عايشة تحت سقفنا وبتاكلي أكلنا. ملكيش حق تعملي فيها ضحية عشان خدنا قرار لمصلحة العيلة”. ضحكت بكسرة نفس وقولتله: “قرار لمصلحة ابنكم المفضل. انت مبعتش البلاي ستيشن بتاعه. مبعتش حاجة بفلوسك انت. انت بعت الحاجة الوحيدة اللي ملكي أنا”.

أمي بصتلي ببرود وقالت: “انتي الكبيرة يا مريم. وده قدر الكبار. لازم تضحي. كريم قدامه فرصة لمستقبل أحسن. اركبي أتوبيس ولا امشي، الناس بتعيش من غير عربيات عادي”. قالتها وكأنها مكنتش لسه بتتباهى قدام صحابها من شهر بقد إيه أنا مسؤولة وبخلص كل حاجة ليهم أونلاين.

قولتلهم: “كان ممكن تطلبوا مني. مكنش لازم تقرروا إن فلوسي وعربيتي بقوا بتوعه”. بابا قرب مني المزيد من القصص على موقع ثقف نفسك وعروقه نافرة: “إحنا مش بناخد إذن من عيالنا. إحنا شيلناكي 22 سنة. الـ 100 ألف والعربية المستعملة دي ولا حاجة جنب اللي صرفناه عليكي. انتي مديونة للعيلة دي”.

أهو قالها. لا حب، ولا امتنان.. مجرد “دفتر ديون”. بصيت للراجل اللي لسه قايلي في التليفون إني ميتة بالنسبة له، وفهمت إنه كان يقصدها. في عقله، أنا مجرد “شيك” لازم يصرفه.

قولتله بهدوء: “لو أنا ميتة بالنسبة لك.. يبقى بطل تصرف من حياتي”.

دخلت أوضتي وبدأت ألم حياتي. هدوم، لابتوب، الهارد، علبة دهب جدتي، باسبوري. وأنا بلم حاجتي، بعتت رسالة لـ “نهى” صاحبتي: “لو مشيت النهاردة، ممكن أبات عندك شوية؟”. ردت في ثانية: “طبعاً. تعالي علطول من غير أسئلة”.

وأنا خارجة، أمي وقفتلي في الطرقة: “انتي مش ماشية بجد، بلاش دراما”. وبابا وقف وراها زي الحارس: “سيبي الشنط دي مكانها”.

بصيتلهم وحفظت نظرتهم دي كويس. قولت: “أنا مش بعاقبكم.. أنا بس أخيراً صدقتكم”. وعديت من جنب بابا، ولما حاول يمد إيده يزقني، وقف فجأة كأنه استوعب إني فعلاً ماشية.

في الشارع، وأنا مستنية نهى، فتحت الموبايل وطلعتالمزيد من القصص على موقع ثقف نفسك  قايمة بكل الحسابات اللي أنا مسكاها للبيت: كهرباء، ميه، نت، اشتراكات، وحسابات البنك. حسيت بهدوء غريب. هما فاكرين إنهم خسروا بنت وعربية بس.. ميعرفوش إن حياتهم كلها كانت معتمدة عليا، وأنا خلاص بطلت أقدم خدمات مجانية.

في بيت نهى، حكيتلها كل حاجة. سمعتني وقالتلي الجملة اللي أهلي عمرهم ما قالوها: “يا مريم، اللي بيحصل ده ظلم. انتي عارفة إن ده مش طبيعي، صح؟”.

كنت عارفة. بس لما الأدرينالين راح، مكانش فاضل غير غضب بارد ومنظم. فتحت اللابتوب. أهلي اللي كانوا بيكرهوا التكنولوجيا وكانوا بيرمولى كل حاجة ويقولولي “انتي شاطرة في الكمبيوتر، اتصرفي انتي”، هما نفسهم اللي ربطت كل حياتهم بتطبيقات وإيميلات عندي عشان ميفوتوش ميعاد دفع فاتورة. “بتعملي إيه؟” نهى سألتني.

رديت: “بلغي كل حاجة”.

أول حاجة، سحبت كل مليم باسمي من الحساب المشترك وحطيته في حسابي الشخصي. سيبت فلوسهم هما زي ما هي، أنا مش حرامية، أنا بس باخد حقي.

بعدين دخلت على مواقع الخدمات: كهرباء، غاز، نت. شيلت بيانات الفيزا بتاعتي، لغيت الدفع التلقائي، وغيرت إيميل التواصل للإيميل القديم بتاعهم اللي عمرهم ما بيفتحوه. الفواتير هتوصلهم ورقية، أو على الإيميل اللي مبيشوفوهوش.

وبعدين.. فتحت “فولدر” قديم عندي اسمه “مصاريف البيت” (HomeFlow). ده كان مشروع تخرج ليا من كورس برمجة، برنامج بيراقب المصاريف وبيعمل رسوم بيانية. لما أهلي شافوه زمان فرحوا بيه عشان أمي كانت بتحب توري قرايبنا قد إيه إحنا “منظمين”. بس الأرقام مبتكدبش.

كنت رابطة البرنامج ده بكل فيز وحسابات البيت عشان أراقب الميزانية. قبل ما أمشي، كنت مظبطة خاصية “المزامنة” بين لابتوبي والكمبيوتر بتاعهم في البيت.

غيرت الإعدادات. بدل ما التقارير المزيد من القصص على موقع ثقف نفسك كانت سرية ليا أنا عشان أنصحهم يوفروا، خليت البرنامج يبعت تقرير مفصل بآخر 30 يوم. كل مليم اتصرف، كل فاتورة أنا دفعتها، كل “أونلاين شوبينج” أمي عملته وهي بتقولي “إحنا مفلسين”، وكل معدات صيد بابا جابها.

وفي خانة “المرسل إليهم”، ضفت إيميلات العيلة كلها: أمي، بابا، طنط ماجدة، وتيتا، وكل القرايب اللي أمي بتحب تمثل عليهم دور الضحية والتضحية.

أنا مألفّتش قصص. أنا بس خليت الأرقام تتكلم من غير سيناريو أمي.

تاني يوم الصبح، تليفوني كان هينفجر. مكالمات فايتة من أمي وبابا وكريم، ورسايل كتير. فتحت “جروب العيلة” اللي أمي كانت بتستخدمه عشان تتفشخر بنجاحاتنا الوهمية. آخر بوست كان صورة لجواب قبول كريم في الجامعة مع تعليق “تضحياتنا جابت نتيجة”.

دلوقتي الجروب كان مقلوب.

طنط ماجدة كاتبة: “إيه ده يا ليندا؟ ليه التقرير بيقول إن مريم دافعة نص قسط الشقة بقالها 3 شهور؟”.

قريب تاني: “الأرقام دي حقيقية؟”.

تيتا: “يعني إيه مصاريف ترفيهية بـ 10 آلاف جنيه وانتوا بتقولوا مش معاكم تدفعوا الكهرباء؟”.

تقرير “HomeFlow” كان قاسي جداً. عمود بيبين مساهماتي، وعمود بيبين مساهماتهم. الأخضر للمصاريف الأساسية، والأحمر للرفاهيات.

طنط ماجدة ردت على الكل: “أنا كنت فاكرة مريم مش بتساعد، أتاريها هي اللي شايلة البيت!”.

كريم بعتلي رسالة كلها “كابيتال”: “انتي عملتي إيه؟ أمي مبطلتش عياط، وبابا واقف في الشارع بيزعق مع الجار وبيقول إن الكمبيوتر متهكر”.

رديت عليه: “أنا مهكرتش حاجة. دي كشوفات حساباتهم. دي أرقامهم. أنا بس بطلت أداري عليهم”.

بابا كان بيحاول يقنع الجيران إن فيه “هاكر” دخل على حساباتهم، وأمي كانت بتحاول تمسح الإيميلات اللي اتبعتت للكل.

كريم بعتلي تاني: “بابا حاول يكسر الراوتر، بس تيتا كلمته وهزأته. سألته ليه بنتك بتدفع قسط البيت وأنت ماشي تقول للناس إنها أنانية”.

ضحكت، لأول مرة أحس إني مش مجنونة وإن الحق ظهر.

بعد الضهر، كريم جالي الكافيه. كان شكله تعبان. “بابا خد العربية الربع نقل، وعربية أمي حد راكن وراها”. قعد وحكالي إن بابا وماما بيحاولوا يلموا “الفضيحة” بس محدش مصدقهم.

طلع موبايله ووراني سكرين شوت لتقرير البرنامج. خانة “مصاريف ترفيهية” زادت 40% في الأسبوع اللي أنا دفعت فيه فاتورة الكهرباء المتأخرة. يعني أنا أدفع الكهرباء، وهما يروحوا يعملوا شوبينج.

كريم قالي: “تيتا سألت بابا: يعني معاك فلوس تجيب سنارة صيد جديدة ومعكش تدفع نور بيتك؟”.

كريم بصلي وقال: “أنا مش عايز أدخل الكلية دي أصلاً. أنا عايز أدرس جرافيك ديزاين في معهد، بس هما صمموا عشان المنظرة. أنا مش هكون السبب في أذيتك يا مريم. أنا سايب البيت وقاعد عند واحد صاحبي”.

اليومين اللي بعد كدة، “كليرووتر” (أو الحي بتاعنا في مصر) كله عرف. بابا كتب بوست عريض ع الفيس بوك عن “جحود الأبناء”، بس الكومنتات المرة دي كانت غير. الناس بدأت تقول: “بس لو الأرقام دي حقيقية يا أستاذ جاري، يبقى بنتك مظلومة”.

كريم بعتلي فيديو لبابا وهو بيزعق في البيت وبيزق كريم عشان بيصوره، وفجأة طنط ماجدة دخلت وزعقت لبابا: “شيل إيدك من على ابنك! انت اللي فضحت نفسك لما سرقت بنتك وبعت عربيتها”.

تيتا بعتت إيميل رسمي للكل: “أنا شفت كفاية. مش هدفع مليم تاني عشان تغطوا على فشلكم وتصرفوا في التفاهات وتظلموا مريم. ده اسمه استغلال مادي يا ليندا، أنا مريتكيش على كدة”.

في الآخر، أنا وكريم قعدنا في الكافيه نشرب قهوة. قالي: “تيتا فخورة بيكي، بس كانت تتمنى إن الموضوع ميوصلش للفضيحة دي”.

قولتله: “أنا مفضحتش حد. أنا بس بطلت أستر عليهم”.

نهى عرضت عليا أشاركها في السكن، ومدير الكافيه وعدني بترقية، وجاتلي فرصة تدريب في شركة برمجة بتدور على حد بيفهم في “التطبيقات المالية”.

لأول مرة، حياتي مش مبنية على إني أكون “حائط الصد” لكوارث أهلي.

أهلي علموني درس مهم: “العيلة أولاً” دي جملة بتتقال بس لما تكون العيلة بتضمك وتحميك، مش لما تستخدمك كبنك وتبيع ممتلكاتك.

أنا دلوقتي ممتنة لحاجات تانية خالص: باب مقفول عليا أنا اللي بدفع إيجاره، واي فاي باسمي، وحساب بنك محدش يقدر يمد إيده عليه.

انتقامي كان بسيط جداً: أنا بس بطلت أخليهم يمثلوا إنهم مثاليين.

اترك ردّاً