قصة جوزي قالي هطلقك بس تتنازلي عن كل شئ

لما “حسام” قالي إنه عايز نطلق، ماحاولش حتى يجمل كلمة واحدة.

كنا قاعدين على الكنبة في الصالة الشيك ، اللي أنا ساهمت في تصميمها ، البيت اللي فيه  (سقف قزاز) كان بيموت فيه وبيتباهى بيه قدام صحابه. شبك إيديه ببرود وهدوء مستفز وقال: “أنا عايز البيت، والعربيات، وتحويشة العمر. كل حاجة”. وبعدين، كأنه افتكر حاجة ملهاش لازمة، كمل وقال: “وتقدري تخلي الولد معاكي”.

ابننا “يوسف”، اللي عنده تمن سنين، كان فوق بيعمل الواجب بتاعه. فاكرة كويس إني لاحظت إزاي “حسام” كان قاصد مايقولش اسمه، كأن لما يقول عليه “الولد” ده بيسهل عليه إنه يرميه. قلبي انقبض ونفسي اتكتم، بس مابكيتش؛ لأني اتعلمت في أول جوازنا إن “حسام” بيشوف الدموع ضعف.

بعد أسبوع، المحامية بتاعتي، الأستاذة “ميرفت”، القلم كان هيقع من إيدها لما عدت عليها شروط “حسام” في مكتبها.

قالت لي: “يا إيمان، الكلام ده مش منطقي ولا يرضي ربنا. إنتي دافعة شقا عمرك، ومن حقك النص بالنص. والحضانة مش حاجة تسيبيها كدة بالساهل”.

رديت عليها: “أنا عايزاه ياخد كل حاجة”.

بصت لي كأني فقدت عقلي تماماً وقالت: “ليه هتعملي كدة؟”.

السبب إن الحرب الحقيقية كانت خلصت أصلاً، بس “حسام” مكنش لسه دريان. بقاله ١٢ سنة بيستقل بيا وبيستهون بذكائي، والنقطة العمياء دي هتكلفه كل حاجة تهمه بجد.

في قعدة الصلح، لا جادلت ولا فاصلت. مضيت مكان ما شاورولي أمضي. “حسام” كان باين عليه طاير من الفرحة، عمال ينقر بصوابعه على الترابيزة، وراسم في خياله إنه قاعد لوحده في الفيلا الكبيرة، وراكب عربيته الجديدة، ورايق مفيش وراه أي مسؤولية غير نفقة شهرية للولد كان فاكرها هتبقى مبلغ عبيط.

صحابي قالوا عليا متهورة. وأختي قعدت تعيط وتترجاني أراجع نفسي. حتى الأستاذة “ميرفت” حاولت معايا لآخر مرة وقالت بصوت واطي: “أكيد في سبب.. أتمنى يكون سبب قوي”.

قلت لها: “هو فعلاً كده”.

قصة جوزي قالي هطلقك بس تتنازلي عن كل شئ
قصة جوزي قالي هطلقك بس تتنازلي عن كل شئ

الجلسة الأخيرة كانت سريعة. القاضي راجع الاتفاق، ورفع حاجبه باستغراب من الظلم اللي في التقسيمة، وسألني لو أنا فاهمة ومستوعبة أنا بتنازل عن إيه. قلت أيوة. “حسام” ضحك لأول مرة من شهور، ضحكة عريضة كلها رضا، كأنه أخيراً كسب لعبة بقاله سنين بيلعبها.

مضيت على الورقة النهائية وزقيت القلم ناحيته على الترابيزة. محامية “حسام” مالت عليه وهمست له بحاجة، وملامح وشها اتغيرت وهي بتقرأ “الملحق” المرفق مع الورق.

ضحكة “حسام” اختفت.

الجو في الأوضة اتغير تماماً.. وهنا بدأت الحكاية الحقيقية.

محاميته حمحمت كده وقالت بحذر: “يا أستاذ حسام، في مشكلة لازم نتكلم فيها قبل ما ننهي الإجراءات”.

“حسام” كشر وقال: “مشكلة إيه؟ الموضوع انتهى خلاص”.

بصت للقاضي وبعدين بصت له وقالت: “المدام رفعت دعوى منفصلة من 3 أسابيع بخصوص الولاية التعليمية، والحضانة الكاملة، وتحديد محل السكن”.

“حسام” لف لي بحدة وقال: “هي بتتكلم عن إيه؟”

رديت بهدوء: “بتكلم عن يوسف”.

اللي “حسام” عمره ما كلف نفسه يفهمه، إن الحضانة والولاية القانونية هما القوة الحقيقية. هو كان فاكر الفلوس هي اللي بتلوي الدراع. كان فاكر البيوت والحسابات والعربيات يعني سيطرة. بس “يوسف” كان محور حياتي، وسنين وأنا بتعلم في صمت إزاي أحميه.

من 3 شهور، قبل حتى ما سيرة الطلاق تيجي، “حسام” قبل ترقية في شغله بتخليه يسافر طول الوقت. كان بيغيب بالأربع والخمس أيام في الأسبوع. فوت اجتماعات المدرسة، وكشف الدكاترة، وجلسات التخاطب بتاعة “يوسف” عشان صعوبات التعلم البسيطة اللي عنده. غيابه ده مكنش مجرد إهمال عاطفي.. ده كان غياب “متوثق” بالمستندات.

بمساعدة الأستاذة “ميرفت”، قدمت طلب عشان يكون ليا حق اتخاذ القرارات لوحدي في التعليم والصحة، استناداً لعدم تواجد “حسام”، وبناءً على موافقة خطية هو وقع عليها من غير ما يقرأ، كانت مدسوسة وسط كومة ورق خاص بالسفر بتاعه. كان واثق فيا إني “هشيل الليلة” وأخلص أمور العيلة. وأنا عملت كده فعلاً.

الملحق اللي محامية “حسام” كانت بتقراه كان بيقول إنه رغم إنه أخد الأصول المادية (البيت والعربيات)، هو مالوش أي سلطة يحدد “يوسف” يعيش فين، ولا يتعلم فين، ولا يتعالج فين. وأنا كنت بالفعل خدت موافقة على نقل محل السكن.

“حسام” زعق: “تتنقلي فين؟”

قلت له: “إسكندرية.. جنب بيت أهلي. وجنب مدرسة يوسف الجديدة”.

وقف مرة واحدة وقال: “إنتي ما تقدريش تاخديه وتبعدي عني”.

القاضي اتكلم بنبرة هادية وحاسمة: “يا أستاذ حسام، بناءً على الاتفاق اللي حضرتك وقعته وأمر الحضانة اللي تم اعتماده الشهر اللي فات.. حضرتك وافقت على الكلام ده بالفعل”.

وش “حسام” جاب ألوان. بص لمحاميته، وبعدين بص لي، وعلامات الخيانة كانت مرسومة بوضوح على ملامحه.

قال لي: “إنتي كنتي مرتبة لكل ده”.

قلت له: “أيوة.. كنت برتب لمستقبل ابننا”.

لما طلب “كل حاجة ما عدا الولد”، “حسام” كشف هو بيقدر “يوسف” بإيه بالضبط. والمحكمة خدت بالها من ده. والورق أثبت ده. وقانونياً، “يوسف” بقى مسؤوليتي أحميه وأربيه وأنقله في المكان اللي في مصلحته.

خرجنا من المحكمة كل واحد لوحده. “حسام” مشي في الطرقات الفاضية وهو بيغلي، مقهور قهرة الفلوس متقدرش تصلحها. وأنا مشيت ببطء، رجلي بتترعش وقلبي بيدق بسرعة، بس كنت ثابتة ومصممة.

البيت اللي هو كسبه، بقى فجأة فاضي ومالوش روح.

العربيات فضلت مركونة ومحدش بيحركها وهو مسافر. والسكون اللي مالي الفيلا بالليل – وغياب ضحكة طفل بتجلجل فيه – دي حاجات مفيش محكمة في الدنيا تقدر تعوضه عنها بكنوز الأرض.

بالنسبة لـ “يوسف”، النقلة كانت سلسة وهادية. قعدنا واتكلمنا وفهمته كل حاجة. خططنا سوا. كان فرحان جداً بمدرسته الجديدة وإنه بقى قريب من جده وجدته. عمري ما جبت سيرة أبوه تابع المزيد من القصص على موقع ثقف نفسك بكلمة وحشة قدامه. مكنتش محتاجة أعمل كده أصلاً.. الواقع والتصرفات كانوا بيتكلموا بصوت أعلى من أي كلام.

“حسام” كان بيتصل كتير في الأول. بعدين الاتصالات قلت. وفي الآخر بقى يتصل بس عشان الترتيبات والمواعيد. حاول يفتح باب المفاوضات تاني، ولمح بتهديدات قانونية، بس خلاص.. الفاس كانت وقعت في الراس والوضع استقر. النظام والقانون مشيوا بالضبط زي ما المفروض يمشوا.. ده بس لما يكون في حد مركز ومصحصح لحقوقه.

أنا مكنش مكسبي إني “أخدت”.. مكسبي الحقيقي كان إني “استغنيت” عن الحاجات اللي عمرها ما كانت تفرق معايا بجد.

بعد سنتين، حياتي دلوقتي مالهاش أي علاقة بالصورة اللي كنا فيها عند رخامة المطبخ إياها. مأجرة شقة بسيطة ومعاها جنينة صغيرة “يوسف” بيلعب فيها كورة، ويسيب جزمته المتعاصة طين جنب الباب. بسوق عربية مستعملة بس “بنت حلال” بتدور كل يوم الصبح. ماشية بميزانية محسوبة بالورقة والقلم. بشتغل شغلانة بدوام كامل، وبرضه مفيش حفلة ولا اجتماع في مدرسة “يوسف” بفوته. والأهم من ده كله.. إني عايشة في سلام.

“حسام” لسه معاه الفيلا القديمة. المعارف بيقولوا إنه قليل أوي لما بيبات فيها دلوقتي.. بقت واسعة عليه أوي، وهادية زيادة عن اللزوم. طول الوقت مسافر، بيجري ورا الترقية اللي بعدها. ولما بيشوف “يوسف”، المقابلات بتبقى بمواعيد ورسمية جداً. تحسهم قرايب من بعيد لبعيد، مش أب وابنه.

أنا مش فرحانة بالوضع ده ولا شمتانة. عمري ما كان هدفي إني أكسر “حسام”. أنا كان هدفي أختار الأفضل لـ “يوسف”.

اللي فاجئني بجد هو كمية الناس اللي جت لي بعدين وقالت إنهم كان يتمنوا لو عملوا زيي. الناس دي حرقوا دمهم في خناقات على العفش، وحقهم في البيت، و”الكرامة”، وتاهت منهم الحاجة الحقيقية اللي بتشكل حياة ولادهم. كانوا فاكرين إن التنازل ضعف. بس الحقيقة غير كده. القوة الحقيقية إنك تعرف إيه اللي يستاهل بجد تحارب عشانه.

شاهد ايضا قصة : جوزي تجاهلني بعد الولادة قصة أم تعاني بعد ولادتها

“يوسف” دلوقتي زي الفل. درجاته في المدرسة اتحسنت. ثقته في نفسه زادت. وبقى يضحك أكتر بكتير. ساعات بيسألني ليه بابا محاربش أكتر عشان يخليني معاه. بجاوبه تابع المزيد من القصص على موقع ثقف نفسك بمنتهى الصراحة، ومن غير أي غل. بقول له: “الكبار بيعملوا اختياراتهم بناءً على الحاجات اللي هما شايفين إنها أهم حاجة في حياتهم”. وبعدين بضيف وأنا باصة في عينه: “وإنت.. أهم حاجة عندي أنا”.

لما بفتكر اللي حصل، اللحظة اللي “حسام” قال فيها “كل حاجة ما عدا الولد”، دي كانت أوضح وأغلى هدية قدمهالي في حياته. الجملة دي ورتني معدنه الحقيقي، وخلتني أتصرف وأنا قلبي جامد ومن غير ذرة تردد.

الطلاق مش معناه انتقام. الطلاق معناه “وضوح رؤية”. إنك تفهم إنك ساعات لازم تخسر حاجات مادية عشان تعرف تكسب مستقبلك.

أنا مش ندمانة لحظة إني مضيت على الورق ده. ولا ندمانة على همس الناس ولا نظراتهم ليا وقتها. أنا كنت شايفة الحقيقة فين.. ووثقت في إحساسي ومشيت وراه.

لو إنتي واقفة في مفترق طرق، ومضغوطة عشان تدخلي حروب ومعارك مش ماشية مع مبادئك.. اقفي لحظة. واسألي نفسك: “المكسب” الحقيقي هيبقى شكله إيه بعد خمسة، أو عشرة، أو عشرين سنة من دلوقتي؟

ساعات القرارات اللي بناخدها في صمت وهدوء.. بيبقى ليها أطول وأقوى أثر في العمر كله.

اترك ردّاً