في خصوصية الحمام، وتحت انهمار المياه الدافئة، يمارس الكثير من الناس عادة يومية قد لا يعترفون بها علناً: التبول أثناء الاستحمام. إنها واحدة من تلك الموضوعات التي تثير انقساماً حاداً بين الناس؛ فهناك من يراها تصرفاً مقززاً وغير صحي بالمرة، وهناك من يعتبرها قمة الكفاءة، توفيراً للوقت، وحتى توفيراً للمياه.
الصورة التي بين أيدينا تطرح تساؤلاً بسيطاً ولكنه عميق: “إذا تبولت في الحمام، هذا ما يمكن أن يحدث…”. قد يظن البعض أن الإجابة تقتصر على مجرد “توفير دفقة مياه في المرحاض”، ولكن الحقيقة الطبية والعلمية أعمق وأكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فما يبدو كفعل بريء وعابر قد يحمل في طياته تأثيرات طويلة المدى على صحة قاع الحوض، وعلى الاستجابات العصبية للمثانة، ناهيك عن الجوانب المتعلقة بالنظافة العامة.
في هذا المقال، سنغوص في عمق هذه العادة الشائعة، لنفصل بين الخرافات والحقائق، ونستكشف ما يحدث حقاً لجسمك وعقلك وحمامك عندما تقرر التخلي عن استخدام المرحاض قبل الدخول تحت “الدش”.
التبول واقفاً اثناء الاستحمام
أولاً: خرافة “البول المعقم” ونظافة الحمام
الحجة الأولى التي يستخدمها المدافعون عن التبول في الاستحمام هي أن البول “سائل معقم”، وأنه سينجرف فوراً مع مياه الاستحمام الجارية والصابون إلى المصرف، وبالتالي لا يوجد ضرر.
للأسف، هذه المعلومة ليست دقيقة تماماً من الناحية العلمية. صحيح أن البول في المثانة السليمة يكون شبه خالٍ من البكتيريا الضارة، ولكنه ليس معقماً تماماً. علاوة على ذلك، بمجرد خروجه من الجسم ومروره عبر الإحليل، فإنه يلتقط بكتيريا من المنطقة التناسلية.
عندما يختلط البول بالماء الدافئ والصابون على أرضية الحمام، فإنه قد لا ينجرف كلياً وبشكل فوري. يمكن لبقايا البول أن تتسرب إلى الفواصل الأسمنتية بين البلاط (الترويبة)، أو تتجمع حول حواف المصرف. بيئة الحمام الرطبة والدافئة هي “حضّانة” مثالية لنمو البكتيريا والفطريات. إذا لم يتم تنظيف الحمام بشكل دوري ومنتظم باستخدام المنظفات المناسبة، فإن تراكم هذه البقايا قد يؤدي بمرور الوقت إلى انبعاث روائح كريهة، وفي أسوأ الحالات، قد يساهم في نقل عدوى فطرية للقدمين (مثل قدم الرياضي) إذا كان هناك تشققات أو جروح صغيرة في الجلد.
لذلك، من الناحية الصحية البحتة، الاعتماد على “الشطف التلقائي” لمياه الدش ليس كافياً لضمان النظافة التامة.
ثانياً: الخطر الأكبر… صحة قاع الحوض والمثانة (خاصة للنساء)
هنا تكمن المشكلة الحقيقية والأكثر أهمية التي يغفلها الكثيرون، والتي يحذر منها أطباء المسالك البولية والمعالجون الفيزيائيون المتخصصون في صحة قاع الحوض. إن طريقة التبول لا تقل أهمية عن عملية التبول نفسها.
لقد صُمم جسم الإنسان، وخاصة جسم المرأة، ليقوم بعملية إفراغ المثانة بشكل كامل وصحيح في وضعية الجلوس أو القرفصاء. في هذه الوضعيات، تكون عضلات قاع الحوض في حالة استرخاء تام، مما يسمح للمثانة بالانقباض وإخراج البول بسلاسة ودون مجهود حتى آخر قطرة.
ماذا يحدث عند التبول وقوفاً؟ عندما تحاولين التبول وأنتِ واقفة تحت الدش، فإن عضلات قاع الحوض لا يمكنها الاسترخاء تماماً كما تفعل عند الجلوس. أنتِ بحاجة إلى الحفاظ على توازنك، وغالباً ما تقومين بشد عضلات معينة (مثل عضلات الفخذين أو البطن) لا شعورياً لمنع تدفق البول على ساقيكِ. هذا الشد يتعارض مع الحاجة الطبيعية لاسترخاء العضلات المحيطة بالمثانة.
النتيجة طويلة المدى عند التبول واقفاً اثناء الاستحمام :
-
إفراغ غير كامل للمثانة: بسبب عدم الاسترخاء التام، قد تبقى كمية صغيرة من البول داخل المثانة. تكرار هذا الأمر قد يزيد من خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية (UTIs)، حيث يصبح البول الراكد بيئة خصبة للبكتيريا.
-
إضعاف عضلات قاع الحوض: الاستمرار في التبول في وضعية غير طبيعية يضع ضغطاً غير ضروري على عضلات قاع الحوض. مع مرور الوقت، والتقدم في العمر، يمكن أن يساهم ذلك في إضعاف هذه العضلات، مما قد يؤدي مستقبلاً لمشاكل مثل سلس البول (تسرب البول اللاإرادي) أو حتى هبوط أعضاء الحوض في حالات متقدمة.
بالنسبة للرجال، قد يكون التأثير الميكانيكي أقل حدة نظراً لاختلاف التشريح، لكن مبدأ الاسترخاء الكامل لإفراغ المثانة يظل سارياً لضمان صحة البروستاتا والمثانة على المدى الطويل.
ثالثاً: التأثير النفسي… متلازمة “بافلوف” وصوت المياه
هل سبق لك أن شعرت برغبة ملحة ومفاجئة في التبول بمجرد سماع صوت صنبور مياه مفتوح، أو عند البدء في غسيل الصحون، أو حتى عند سماع صوت المطر الغزير؟ إذا كانت الإجابة نعم، فقد تكون ضحية لما يسمى بالارتباط الشرطي، أو “استجابة بافلوف”.

عندما تعتاد على التبول في كل مرة تدخل فيها تحت الدش وتسمع صوت المياه الجارية، فإن دماغك يبدأ في بناء رابط عصبي قوي بين هذين الحدثين: صوت المياه الجارية = وقت التبول.
هذا الارتباط السلوكي قد يبدو غير ضار في البداية، لكنه قد يتطور ليصبح مشكلة مزعجة تعرف بـ “سلس الإلحاح”. يصبح الدماغ مبرمجاً على إرسال إشارة قوية للمثانة بالانقباض كلما سمع صوت ماء، حتى لو لم تكن المثانة ممتلئة، وحتى لو كنت في موقف اجتماعي غير مناسب تماماً للذهاب إلى الحمام. التخلص من هذا الارتباط الشرطي قد يتطلب وقتاً وجهداً لإعادة تدريب المثانة والدماغ.
اقرأ عن : إذابة حصوات الكلى و تخفيف حموضة البول
رابعاً: الزاوية البيئية… هل التوفير يستحق المخاطرة؟
الحجة الأقوى التي يتمسك بها ممارسو هذه العادة هي الحفاظ على البيئة. ففي المتوسط، يستهلك شيفون المرحاض الحديث ما بين 6 إلى 9 لترات من الماء في الدفقة الواحدة. نظرياً، إذا قام شخص بالتبول في الدش يومياً، فإنه يوفر آلاف اللترات من المياه الصالحة للشرب سنوياً. هذا رقم لا يستهان به في عالم يعاني من شح المياه.
ومع ذلك، يجب موازنة هذه الفائدة البيئية مع المخاطر الصحية المحتملة. هل توفير بضعة لترات من الماء يستحق المخاطرة بإضعاف عضلات قاع الحوض أو تطوير مشاكل في التحكم بالمثانة على المدى الطويل، والتي قد تتطلب علاجات مكلفة ومعقدة؟
الخلاصة: التوازن هو المفتاح
بالعودة إلى الصورة والنص المكتوب عليها “إذا تبولت في الحمام، هذا ما يمكن أن يحدث…”، نجد أن الإجابة ليست مجرد حدث واحد، بل سلسلة من التبعات المحتملة.
ما يحدث هو مزيج من تحديات النظافة التي تتطلب تنظيفاً دقيقاً للحمام، ومخاطر حقيقية على صحة العضلات المسؤولة عن التحكم في البول (خاصة للنساء)، وإمكانية برمجة دماغك على استجابات غير مرغوب فيها تجاه صوت المياه.
النصيحة النهائية: قد لا يكون التبول في الدش مرة واحدة كل فترة كارثياً، ولن يؤدي إلى انهيار صحتك فوراً. ولكن، تحويل هذا الفعل إلى عادة يومية هو مكمن الخطر.
اقرأ عن : ما هي ترسبات البول دليل شامل للتعرف على أنواعها وأسبابها
الخيار الأمثل والأكثر صحة هو استخدام المرحاض قبل الدخول إلى الاستحمام. هذا يضمن إفراغ المثانة بشكل كامل في وضعية استرخاء صحيحة، ويحافظ على نظافة حمامك، ويحمي دماغك من الارتباطات الشرطية الخاطئة. إنها دقيقة إضافية تقضيها على المرحاض، لكنها استثمار طويل الأمد في صحتك وراحتك المستقبلية.
تذكر دائماً أن “تثقيف نفسك” (كما يشير شعار الموقع في الصورة) هو الخطوة الأولى نحو تبني عادات صحية تخدم جسمك ولا تضره، حتى في أكثر اللحظات خصوصية.






