الليلة اللي ولدت فيها واكتشفت خيانة جوزي.. وحمايا هو اللي جابلي حقي
مصحيتش بالتدريج ليلتها. أنا صحيت مخطوفة على وجع قاسي ومفاجئ، وجع زي السكينة قطع في جسمي من غير أي إنذار.. النوع ده من الوجع اللي مبيسيبش أي مجال للشك أو إنك تضحكي على نفسك. جسمي اتخشب في الضلمة، عيني مبرقة في سقف أوضة النوم، وأفكاري بتتسابق عشان تلحق تستوعب اللي جسمي فهمه خلاص. بعدها حسيت بالدفا تحتي، والحقيقة نزلت تقيلة على صدري زي الحجر.
مية الراس نزلت
اسمي “مروة”. عندي واحد وتلاتين سنة، حامل في الشهر التامن، وقاعدة بطولي في بيتنا الهادي في أطراف القاهرة “منطقة التجمع”. جوزي كان المفروض مسافر في شغل يومين وهيرجع. كنا رتبنا واتكلمنا عن اللحظة دي قبل كده.. أكلم مين، تابع المزيد من القصص على موقع ثقف نفسك إزاي أحافظ على هدوئي، وإيه الخطوات اللي أعملها.. بس مفيش أي خطة في الدنيا تجهزك للصمت المرعب اللي بييجي لما الحياة اللي كنتي واثقة فيها تبدأ تتشرخ فجأة.
غريزتي هي اللي ساقتني. مديت إيدي ومسكت موبايلي وكلمت جوزي “أحمد”.. لأن لما الخوف والأمل يضربوا في بعض، بتكلمي الشخص اللي حلف إنه هيكون جنبك وقت الشدة.
الموبايل رن. مرة.. والتانية.

وبعدين الخط فتح.
“أحمد”، همست وأنا صوتي بيترعش، “أنا محتاجاك.. شكلي بولد.”
بس اللي سمعته بعدها مكنش ليه مكان في اللحظة دي.. ولا في حياتي أصلاً.
صوت واحدة ست هو اللي رد. صوت ناعم.. مألوف.. ومش شايل أي هم. كان فيه ضحك، وصوت حركة هدوم، وأنفاس هادية مفيهاش أي ذرة استعجال. بعدها “أحمد” اتكلم.. كان صوته هادي، ومشغول بحاجة تانية، وواضح وضوح الشمس إنه موجود في مكان مالوش أي حق يكون فيه.
لثانية واحدة، عقلي حاول يحميني. قالي إني أكيد سمعت غلط. إن التوتر بيخليني أتخيل حاجات مش حقيقية. وإن أكيد فيه تفسير بريء مستنيني لو بس صبرت شوية.
بس الست ضحكت تاني.
وهنا كل حاجة جوايا سكتت تماماً.
ما عيطتش. ما صرختش. ولا حتى قفلت السكة.
أنا دوست على زرار “تسجيل المكالمة”.
الوجع خلاني فايقة وشرسة. كل طلقة ولادة كانت بتشيل غشاوة الوهم وبتحط مكانها يقين قاطع. في اللحظة دي، فهمت إن الراحة والطبطبة مبقاش ليهم لازمة. النجاة.. ليا ولابني اللي في بطني.. هي بس اللي تهم. والنجاة بتتطلب الحقيقة.
سيبت التسجيل شغال. سجل خيانته المستريحة، سجل برود أعصابه، والدليل القاطع إن ولادتي مكنتش بتقطع أي حاجة “مهمة” بيعملها هناك. لما المكالمة خلصت، ما اتصلتش بيه تاني. ما بعتش رسايل أتسول فيها مبررات ملفوفة في أعذار كدابة.
بدل ما أكلمه.. طلبت الإسعاف.
الرسالة الحاسمة
صوتي كان ثابت بشكل غريب وأنا ببلغ الإسعاف إني بولد ولوحدي. اديتهم العنوان. نفذت التعليمات. فضلت أتنفس. ولما المسعفين وصلوا – كانوا سريعين ومحترفين – شالوني على الترولي وكأن عالمي لسه منهارش من دقايق.. وبشكل ما، ثباتهم ده هو اللي سندني.
وأول ما باب عربية الإسعاف اتقفل والسرينة بدأت تصرخ في الشارع، بعت رسالة واحدة. ملف صوتي واحد. وجملة واحدة.
الرسالة دي راحت لـ “الحاج عثمان”.. والد “أحمد”.
راجل مش مشهور بالحنية والكلام الحلو، قد ما هو مشهور بالأصول والمبادئ. “كبير عيلة” ورجل أعمال عصامي، حياته كلها مبنية على النظام، وتحمل المسؤولية، وإيمان راسخ إن الأفعال أهم بكتير من الكلام. عمره ما حشر نفسه في حياتنا ولا في جوازنا. وعمره ما انحاز لطرف. بس كان دايمًا واضح في حاجة واحدة: الحق مفيش فيه فصال.
كتبتله في الرسالة: “ده السبب اللي مخلي ابنك ما بيردش عليا.. أنا بولد.”
الطريق للمستشفى كان زي الحلم، كأني ماشية وسط ضباب بس عيني مفتحة. كنت باصة للسقف، وسامعة صوت السرينة، بتنفس بصعوبة مع كل موجة وجع، بس حسيت بحاجة غير متوقعة بدأت تسكن جوايا.
راحة.

لأني مبقتش شايلة الشيلة دي لوحدي خلاص.
على ما وصلنا المستشفى، تابع المزيد من القصص على موقع ثقف نفسك النهار كان بدأ يطلع. الممرضات اتحركوا بسرعة وهدوء، بيسألوا، بيوصلوا الأجهزة، وبيدخلوني أوضة مليانة أصوات تصفير وملايات بيضا. كنت بجاوب وقت اللزوم. بركز لما يطلبوا. وموبايلي كان لسه ساكت.
وقبل شروق الشمس بلحظات، جتلي رسالة من رقم غريب.
“أنا الحاج عثمان. أنا في الطريق.”
غمضت عيني، مش عشان اتطمنت، لا.. عشان اتأكدت. “أحمد” طول عمره فاكر إنه بفهلوته وسحره يقدر يلم المواضيع ويأجل المواجهة. بس هو نسي الشخص الوحيد اللي علمه إن العواقب جاية جاية، سواء كنت مستعد ليها أو لأ.
المواجهة
الولادة حميت مع طلوع النهار. الوجع كان بييجي ويروح في موجات بتخطف روحي وتطلب مني كل طاقتي. وحواليا، صوت الأجهزة وهمس الدكاترة، والوقت فقد معناه.
“أحمد” وصل بعد الشروق بشوية.
كان شكله زي اللي هربان.. هربان من المسؤولية، من الحقيقة، ومن نفسه. شعره منكوش، وشه مخطوف، وكل الثقة اللي كانت عنده اتبخرت.
جري عليا وقال بلهفة: “مروة! الحمد لله، أنا..”
قاطعته بصوت واطي: “بس.”
اتسمر مكانه. نبرة الأمر والقوة في صوتي فاجئتني أنا شخصياً.
قولتله: “ارجع لورا.”
عينه جت ع الباب وهو بيتفتح تاني.
“الحاج عثمان” دخل. من غير استعجال، ومن غير أي منظرة. كان لابس جلابية وعباية شيك، وهيبته كانت مالية المكان.. هدوء، سيطرة، وحضور يملأ العين.
مبصليش أنا الأول.. بص لابنه.
وقال بجمود: “أنا سمعت التسجيل.”
“أحمد” فتح بقه وقفلُه.. حاول يتكلم تاني: “يا بابا، الموضوع مش زي ما أنت فاهم..”
أبوه رد بصوت مسطرة: “إياك.. ماتهينش ذكائي وتحاول تمثل إن الموضوع فيه سوء تفاهم.”
الأوضة كأنها ضاقت. الممرضات كملوا شغلهم بمهنية، عارفين إزاي يدونا مساحتنا من غير ما يهملوا شغلهم. أنا ركزت في تنفسي، وفي اللحظة دي، وفي الروح اللي جاية الدنيا حالاً.
الحاج عثمان كمل كلامه: “أنا ربيتك تكون راجل.. تحمي بيتك وتصونه. وأنت خيبت ظني.”
كتاف “أحمد” وقعت باستسلام: “أنا غلطت.”
حقوق التصميم والمحتوى محفوظة لموقع ثقف نفسك www.thaqafnafsak.com
أبوه صحح له بحدة: “أنت اخترت.. وكل اختيار وليه تمن.”
بعدها التفت ليا. ملامحه لانت شوية، وقال بهدوء: “حقك عليا يا بنتي.”
الكلمة دي كانت كفاية.
بداية جديدة
الولادة كانت صعبة ومرهقة وحقيقية جداً. الوجع أخد مني كل حاجة.. بس لما ابني صرخ لأول مرة، الدنيا كلها اترتبت من جديد حوالين الصوت ده. تابع المزيد من القصص على موقع ثقف نفسك كان دافي وحقيقي وبين إيديا، ثبتني في الأرض بطريقة عمري ما حسيتها قبل كده.
سميناه “نوح”.
“أحمد” كان واقف بعيد في ركن الأوضة.. متردد، ومالوش لازمة. الحاج عثمان حط إيده التقيلة على كتف ابنه، مش عشان يطبطب عليه، لكن عشان يوجهه.
قال له بصرامة: “اتفضل امشي.”
“أحمد” ما جادلش.
على بليل، شكل مستقبلنا كان اتغير تماماً. مكالمات اتعملت. حدود اتحطت. محامين دخلوا في الموضوع.. مش عشان يعملوا مشاكل، لكن عشان يوضوحوا الحقوق. الحاج عثمان ما حاولش يضغط عليا ولا يتدخل عشان يلم الدور. هو ضمن العدل وبس. الدعم اتقدم من غير شروط. والحساب اتدفع من غير قسوة، بس بحزم.
حياتي ما انهارتش.
هي بس “عادت تشكيل نفسها” صح.
في الأسابيع اللي بعد كده، نقلت مكان أهدى قريب من أهلي. اتعلمت شكل نَفَس ابني، لغة عياطه، والقوة اللي بتيجي لما تختاري نفسك من غير ما تعتذري لحد.
أنا و”أحمد” انفصلنا من غير فضايح. حضانة الولد ترتبت باحترام. التسجيل عمري ما استخدمته كسلاح ولا هددت بيه. مكنش له لازمة. الحقيقة صوتها عالي كفاية لوحدها.
الحاج عثمان بيزور حفيده من وقت للتاني. بيشيله بحنية غريبة غير المتوقعة منه.. راجل عاش حياته بالشدة والحزم، بيتعلم الرقة مع حياة لسه بتبتدي. عمره ما جاب سيرة الليلة دي إلا لو أنا اتكلمت. مرة، لما شكرته، رد عليا بجملة واحدة: “أنتِ عملتي الصح.. أنا بس كنت موجود.”
الجملة دي عمرها ما فارقتني.
الناس ساعات بتسألني لو إرسال التسجيل ده كان نوع من الانتقام.
لأ.. مكنش انتقام.
كانت “نجاة”.
أنا ما خربتش بيتي. أنا رفضت أحمي كدبة على حساب أماني ومستقبل ابني. وفيه فرق كبير بينهم.
لو بتقري الكلام ده وحاسة بالنغزة اللي في قلبك دي – اللي بتفضلي تتجاهليها عشان “المركب تمشي” – اسمعيها. الشجاعة مش لازم تكون بصوت عالي وزعيق. ساعات الشجاعة إنك تدوسي “تسجيل” في نص الليل، وتثقي إن الحقيقة هتعرف طريقها للنور.
لأن الفجر دايماً بيطلع.
ولما بيطلع.. بيبين لك مين بجد مستعد يقف جنبك.. ومين عمره ما كان موجود أصلاً.
حقوق التصميم والمحتوى محفوظة لموقع ثقف نفسك www.thaqafnafsak.com







