صرفت “تحويشة عمري” عشان خطيبي يبقى دكتور.. وفي حفلة تخرجه، سابني قدام الناس كلها!

مشيت وقعدت على طرف الكنبة القديمة زي القاضي: “خلينا نراجع الحسابات.. أربع سنين بصرف عليك، ليالي سهرانة بشتغل، صحتي راحت، وفي الآخر طردتني من حياتك قدام الناس.. ودلوقتي جاي تطلب مني أزور في أوراق رسمية عشانك؟”

وشه احمر: “محدش قال تزوير.. يا ساتر.. ده مجرد توضيح، وهما هيراعوا الظروف”.

ضحكت بسخرية: “أه طبعاً.. (مراعاة الظروف) دي للبهوات اللي زيك بس”.

سكت لحظة وبدأ يغير أسلوبه، صوته بقى ناعم ومسكن: “مي.. أنا عارف إن امبارح أنا اتصرفت غلط.. خانني التعبير”.

“خانك التعبير؟ ده إنت مسحت بيا بلاط القاعة”.

قرب مني خطوة: “كنت بحميكي.. من الضغط، من العيون، من المجتمع اللي هيبصلك وحش وإنتي معايا في الوضع الجديد”.

“صح.. عشان كدة قررت تحميني بإنك ترميني”.

حط إيده في شعره بتوتر: “هرجعلك كل مليم.. كل قرش صرفتيه هرجعه بفوائده”.

سألته بجمود: “والأربع سنين؟ هترجع شبابي بفايدة كام في المية؟”

ارتبك، ورجع لنغمة “الراجل اللي بيحل كل حاجة بالفلوس”: “عايزة كام؟ اطلبي الرقم اللي يعجبك”.

وقفت ورحت ناحية المكتب، طلعت الدوسيه الأصفر القديم المليان ورق، ورزعته على الترابيزة قدامه.

بص للورق بخوف: “إيه ده؟”

“دي الفواتير.. بالمعنى الحرفي. شيكات مصاريف الجامعة، فواتير الكتب، إيجار شقتك اللي كنت بمد إيدي عشان أدفعه، مصاريف أكلك، وحتى النسخ من كل ورقة واستمارة إنت (أمرتني) أملاها بدالك”.

لونه بقى زي الجير: “إنتي كنتي محتفظة بكل ده؟”

“أنا بنت بلد وشقيانة يا دكتور.. وإحنا بنحتفظ بالإثباتات عشان الزمن غدار”.

قعد على الكرسي كأن رجله مش شايلاه: “هيشطبوني من النقابة”.

“ممكن لا.. لو كانت غلطة وحيدة، هياخدوا منك غرامة وتتوقف شوية. لكن لو لقوا (نمط) متكرر من الكذب..”

رفع راسه برعب: “نمط إيه؟”

وطيت صوتي وبصيت في عينه: “يا حازم.. تحب نفتح الدوسيه ونشوف إيه تاني إنت نسيته وأنا فاكراه؟”

عينيه وسعت: “إنتي مش هتعملي كدة..”

“أقول الحقيقة؟ مكنتش ناوية.. لحد ما شفت ندالتك في الحفلة”.

قام وقف وبدأ يروح وييجي في الصالة بتوتر: “ماشي.. ماشي أنا غلطت. خفت من (البريستيج) ومن كلام أهلي ومن (بسنت)..”

“أه.. وصلنا لفقرة الاعترافات. بسنت دي الدكتورة بنت الناس الأكابر؟”

“الموضوع ملوش علاقة بيها.. أنا كنت مرعوب إني مبقاش قد المكان اللي أنا فيه”.

اتنهدت: “المشكلة إنك فعلاً مكنتش قده.. عشان كدة كان لازم إحنا الاتنين نشيلك.. ولما وقفت على رجلك، أول حد رفسته كان أنا”.

وقف قدام الباب وبصلي بنظرة مكسورة: “طب والحل؟”

ستقرأ في هذا المقال

“الحل إنك تشوف محامي شاطر في قضايا النقابات. وتبطل تتصل بالواحدة اللي مسحت بكرامتها الأرض عشان تنقذك. وتتعلم تبقى راجل مسؤول عن أفعاله”.

سألني بصوت واطي: “وإنتي؟”

“أنا عندي شغل.. قصدي، عندي حياة”.

قبل ما يخرج، بصلي آخر بصة فيها أمل يائس: “مفيش أي أمل تعملي المكالمة دي عشاني؟”

“يا حازم.. إنت شكرتني على (خدماتي) قدام الناس ومشيتني. أنا مش هرتكب جريمة عشانك”.

فتح الباب وهو بيجر رجليه: “أنا كنت بحبك.. بطريقتي”.

ابتسمت ابتسامة تعب: “وهي دي كانت المشكلة”.

خرج وقفلت الباب وراه. قعدت على الأرض وسحبت الدوسيه.. إيصالات وتواريخ.. دي مش مجرد ورق، ده كان “عمودي الفقري” اللي ساندته بيه.

فتحت اللابتوب وكتبت في البحث: “إجراءات ترخيص المشروعات الصغيرة”.

موبايلي رن. رسالة من ريم: “إنتي كويسة؟ لو محتاجة شهادة حق بخصوص كلامه في الحفلة، أنا موجودة”.

ابتسمت ورديت: “أنا كويسة.. وبجهز للبداية”.


الجزء الرابع: التحقيق وبداية الطريق

أول جواب رسمي من النقابة وصل بعد أسبوعين.

مش على عنواني، وصل على عنوان حازم الجديد في “الكومباوند” اللي أهله أجروه له عشان الوجاهة الاجتماعية. بس ريم بعتتلي صورته واتساب.

“إخطار بوقف الترخيص مؤقتاً لحين انتهاء التحقيق”.

زي ما الموظفة قالتلي بالظبط.

ريم قابلتني تاني يوم وحكتلي والشماتة باينة في صوتها: “الواد منهار.. بيبيع عربيته الـ BMW عشان مش قادر يدفع أقساطها، ورجع يركب عربية مامته القديمة”.

قلت لها وأنا بقلب الشاي: “أهو ده مقامه”.

في الوقت اللي حازم كان بيغرق فيه، أنا كنت بدأت أشم نفسي.

المحامي بتاع حازم اضطر يتفاوض معايا عشان مسكتهوش عن باقي الفلوس، ورجعلي جزء من المبلغ.. مش الـ ٥٣٤ ألف كلهم، بس مبلغ محترم أبدأ بيه.

إيجار المحل القديم اللي كان عيني عليه من زمان. محل صغير في شارع جانبي هادي.

سميته “فصل ورواية”. مكتبة لبيع الكتب المستعملة والجديدة، مع ركن قهوة صغير، وكراسي مريحة للقراءة.

يوم الافتتاح عمري ما هنساه.

ريم جت وجابت ورد. وجيران المنطقة دخلوا يتفرجوا. وبحلول الضهر المحل كان مليان ناس.

لأول مرة مكنتش “الجرسونة” اللي بتخدم على حلم حد تاني.. كنت “صاحبة المكان”.

بالليل، وأنا قاعدة في المحل بعد ما الناس مشيت، بشرب قهوة وببص ع الرفوف اللي رصيتها بإيدي، موبايلي جاب رسالة صوتية.

حازم.

صوته كان بيعيط: “مي.. شطبوني. لغوا الترخيص خالص وقالوا تزوير وسوء نية. والمستشفى لغت العقد. وبسنت سابتني ومبتردش عليا.. أنا خسرت كل حاجة. أبوس رجلك ساعديني”.

سمعت الرسالة مرة واحدة. ولا مسحتها ولا رديت. سيبتها زي ما هي.. شبح من الماضي.

بعد أسبوعين ريم عدت عليا وقالتلي وهي بتقلب في رواية: “عرفتي آخر الأخبار؟ شغال دلوقتي مندوب مبيعات طبية.. بيلف بشنطة على العيادات”.

ابتسمت وأنا برص الكتب: “من دكتور قد الدنيا لمندوب بشنطة.. الدنيا دوارة”.

“بيسأل عليكي كل شوية”.

“قوليله الحقيقة.. مي اللي تعرفها ماتت يوم الحفلة”.


الجزء الخامس: النهاية الصافية

بعد ست شهور من حفلة “الدكتور العازب”، حياتي مكنتش رماد زي ما كنت فاكرة.

مكتبة “فصل ورواية” بقت ملتقى للمثقفين والشباب في الحي.

يوم السبت ورشة حكي للأطفال، ويوم التلات ندوة شعرية. المكان كان دافي ومليان حياة، وعملت لنفسي اسم وكيان.

أما حازم.. بقى حكاية بتتحكي في القهاوي عن “الدكتور اللي طمع وخسر كله”.

الناس كانت بتقول “يا حرام، مستقبله ضاع”.

بس أنا كنت بقول في سري: “ده عدل ربنا”. هو مضيعش مستقبله، هو ضيع مستقبلي أنا ٤ سنين، وربنا جاب لي حقي.

وفي وسط كل ده، القلب دق تاني.

“دكتور شريف”، أستاذ أدب إنجليزي في الجامعة. دخل المكتبة يدور على كتاب قديم، وخرج برقم تليفوني وقلبي.

راجل ناضج، مش محتاجني أصرف عليه ولا أسنده. بيحترمني وبيحب عقلي وشغلي.

في يوم كنا بنتعشى سوا، بص لي في ضي الشموع وقال: “عارفة أكتر حاجة بتعجبني فيكي إيه يا مي؟”

ضحكت: “تنظيمي للكتب؟”

ابتسم: “إنك حولتي الكسرة لبداية جديدة”.

آخر مرة شفت فيها حازم كانت صدفة بحتة.

كنت ماشية في الشارع وشايلة أكياس طلبات للبيت، ولمحته واقف قدام عيادة دكتور، لابس بدلة رخيصة ومبهدلة، وماسك شنطة العينات، وشكله كبر عشر سنين.

عيني جت في عينه لثانية واحدة.

منكسش عينه، ولا شاور.. بس بص لي بصه كلها ندم وحسرة على النعمة اللي رفسها برجله.

ابتسمت له ابتسامة مهذبة.. زي ما بتبتسمي لحد غريب في المواصلات.. وكملت طريقي.

لأنه بقى فعلاً غريب.

رجعت المكتبة، وعلقت يافطة “مفتوح”. ودخلت زبونة بتدور على رواية لـ “رضوى عاشور”.

“الست دي بتكتب عن الستات اللي بتقدر تواجه الدنيا”، الزبونة قالتلي.

رديت عليها بثقة: “فعلاً.. وأهو إحنا منهم”.

في الليلة دي، صبيت لنفسي فنجان قهوة مظبوط، ورفعته في الهوا وحييت نفسي بصوت عالي:

“في صحة نجاحك يا مي.. وفي صحة إنك أخدتي بالظبط اللي تستاهليه”.

المرة دي، طعم الكلام مكنش مر ولا فيه وجع.

كان طعمه حرية.. وانتصار.

ساهم في نشر الثقافة والمعرفة
مشاركة على Facebook مشاركة على X (Twitter) مشاركة على Pinterest مشاركة على LinkedIn مشاركة على Telegram مشاركة على WhatsApp Copy to Clipboard

اترك ردّاً